المهندس جميل عبدالله الجشي.. سليل اسرة قطيفية عريقة بصيد وتجارة اللؤلؤ.. والزراعة.. له تجربة حياتية ثرية.. وحافلة بالنجاحات.. استطاع منذ وقت مبكر ان يلفت الانظار اليه بما اظهره من تفوق دراسي لازمه طيلة حياته.. منذ مقاعد الدراسة في المدرسة الاميرية بالقطيف وانتهاء بجامعة بتسبرج التي حصل منها على درجة الدكتوراه.. وكان له في مشروع الجبيل الصناعي العملاق بصمة يعرفها كل من عمل معه في هذا المنجز الحضاري الكبير.. وقد توج المهندس جميل الجشي.. عطاءاته الوطنية بعضوية مجلس الشورى لدورتين متتاليتين.. كما اختير ليكون سفير خادم الحرمين الشريفين في جمهورية ايران الاسلامية.. وقد رصدنا اهم ملامح رحلة العمر للمهندس الجشي في هذه الحلقات:
الميلاد والنشأة
من مكان الولادة وتاريخها.. بدأ المهندس جميل بن عبدالله الجشي.. يتقصى مشوار حياته قائلاً:
ولدت بجزيرة تاروت بمحافظة القطيف في يوم جمعة غير معروف تاريخه بالضبط.. ولكنه يقع في شهر رجب في سنة لم استطع تحديدها نظراً لعدم وجود سجلات رسمية في تلك الفترة.. ولكن حسب التقديرات فإن يوم ولادتي يقع بين عام 1357هـ (1938م) وعام 1360هـ (1941م) والاحتمال الأكبر ان يكون يوم ميلادي هو يوم الجمعة 20 رجب 1359هـ (23 اغسطس 1940م) او يوم الجمعة 22 رجب 1360هـ (15 اغسطس 1941م).

التباسات الاسم
ويضيف المهندس جميل: كان الاسم المقترح لي هو (علي جمعة) ولا ادري لماذا اختار والدي اسمي الحالي.. علماً بأن هذا الاسم كان موجوداً في العائلة في البحرين من قبل حيث يوجد ابن عم والدتي جميل جواد الجشي رحمه الله.. وبعد ولادتي على ما يبدو اختار عمي عبدرب الرسول الجشي رحمه الله ان يسمي ابنه جميل ايضاً.. وعندما حول عمي اسمه في آخر حياته الى عبدالله بدلاً من عبد رب الرسول بدأت تظهر اشكالية تشابه الاسماء.

في مدرسة تاروت
اما على صعيد البلدة تاروت فقد كان هناك اثنان آخران يحملان نفس الاسم وفي سني تقريباً.. وقد كنا زملاء في نفس الصف .. في يوم من الايام في مدرسة تاروت الابتدائية وهما جميل حماد.. وجميل حجاج.
ويستطرد المهندس جميل الجشي مسلطا الضوء على جوانب مهمة اثرت في مشوار حياته لاحقاً بشكل او بآخر .. فيقول: كان جدي لوالدي من كبار تجار اللؤلؤ في تاروت والقطيف.. حيث كان يملك في كل منهما منزلاً او اكثر.. وعقارات اخرى وبساتين كثيرة.. كانت اقامته الاصلية في القطيف.. ثم تزوج جدتي التي يقيم اهلها اصلاً في تاروت.. فكون اسرة جديدة في الجزيرة ليكون على ما يبدو قريباً من تجار اللؤلؤ والغواصين في فصل الصيف الذين يتوافدون على تاروت وميناء دارين لبيع وشراء اللؤلؤ.. اما جدي لامي فقد كان من سكان المنامة في البحرين وكان له ايضا بعض العقارات وبساتين النخيل هناك بالاضافة الى بعض البساتين في القطيف اما والدي فقد امتهن حرفة ابيه في بداية حياته حيث بدأ في تجارة اللؤلؤ ايام ابيه واستمر فيها لبعض الوقت بعد ذلك.. كما اهتم بالزراعة سواء ما ورثه من بساتين ابيه او ما قام هو بشرائه وتطويره فيما بعد من اراض مزروعة.. او بياض قام بزراعتها واعمارها.. بالاضافة الى ذلك فقد شغل في فترة من الفترات والارجح انها في الاربعينيات الميلادية وظيفة رسمية هي العمدوية.. حيث عين عمدة لبلدة تاروت لسنوات لا اعلمها تماماً.. وكانت وظيفة العمدة في ذلك الوقت لها مكانتها الاجتماعية ويشار اليها بالبنان وتترتب عليها مسؤوليات امنية واجتماعية جمة.

قصة لا تنسى
وبعكس ابناء جيله لم يتتلمذ المهندس الجشي على ايدي الكتاتيب.. بل التحق بالتعليم النظامي مباشرة.. ولذلك قصة يرويها فيقول:
كان التعليم في جزيرة تاروت في ذلك الوقت محصوراً على ما يعرف بالكتاتيب.. حيث بدأ أخي (محمد حسن) دراسته.. ثم ما لبث ان ادخل المدرسة الابتدائية في البحرين حيث كان التعليم النظامي سائداً هناك.. ولاسباب لا اعلمها بالضبط عاد اخي من البحرين ضارباً بالدراسة عرض الحائط والتحق بعدها بشركة ارامكو بالظهران.. ويبدو ان تجربة اخي منعت والدي من التفكير في ارسالي للدراسة في البحرين.. ولكنه عندما فتحت مدرسة القطيف الاميرية الابتدائية بمدينة القطيف عام 1367هـ او 1368هـ لا ادري على وجه التحديد قرر ارسالي لتلك المدرسة ولم اكن قد التحقت بعد بالكتاتيب او المعلم كما كان يعرف في تاروت.. وقد اقمت في بيت احدى عماتي التي كانت تعيش في ذلك الوقت مع زوجها وكان لهما ولدان يصغراني سناً..


جاذبية ارامكو
تركه للدراسة.. والالتحاق بارامكو ومن ثم العودة لتاروت محطات مفصلية في مشوار حياته.. يتذكر المهندس جميل الجشي ملابساتها قائلاً:
لا ادري كم مضى من الزمن على دخولي المدرسة ولا اعلم الاسباب بالضبط.. ولكني في يوم من الايام قررت باختياري ترك المدرسة بعد مشادة مع احد الاساتذة ويدعى (عيد) وذلك بعد ان خرجت اثناء الفسحة لشراء بعض الحاجيات من السوق دون استئذان مبرراً ذلك بأن الكل يخرج لا أتذكر بالضبط هل جئت ذلك اليوم وانا عازم على ترك المدرسة ام كانت المشادة هي السبب ام انها القشة التي قصمت ظهر البعير .. الا اني اكاد اتذكر انني كنت اشعر بأنني عبء على عائلة عمتي.. او انني انزل ضيفاً ثقيلاً عليهم ربما لشعوري بوضعهم المادي الصعب او لصغر المنزل ولما كنت اسمعه من زوج عمتي وقد كان يجيد الرسم واللغة الانجليزية ومن الشباب المتعلم والمثقف في القطيف.. وكان يردد امامي ان دخول هذه المدرسة ضياع للوقت حيث لا توجد بها تجهيزات ولا كتب (وهذا صحيح) والاساتذة غير مؤهلين.. ويضيف: ومن ناحية اخرى فقد يكون لترك أخي الدراسة والتحاقه بأرامكو بعد ذلك دوراً لا شعورياً في تركي المدرسة في ذلك السن المبكر.. ذلك هو اتجاه ابناء المنطقة في ذلك الوقت وحتى الأن ورغبتهم الشديدة في الالتحاق بشركة ارامكو ربما للمظهر الحسن الذي يبدو عليه عمال ارامكو عندما يعودون لبلداتهم في عطلة الاسبوع حيث يلبسون انظف الثياب وتبدو عليهم النعمة والعافية.. وقد استمرت واشتدت هذه الرغبة لدى ابناء المنطقة فيما بعد.. عندما بدأ الناس يهتمون بمستوى الدخل واستمرارية العمل والعلاج الجيد والتعليم والتدريب والحصول على البعثات الدراسية وبرنامج تملك البيوت الذي لا يتوفر الا لدى هذه الشركة وحتى الآن الى حد ما.

صمام الموت
الجاذبية الشديدة لشركة ارامكو كانت لا تخلو من سلبيات كما يقول المهندس الجشي: انجذاب ابناء المنطقة لشركة ارامكو كان له سلبياته على هؤلاء خصوصاً فيما يتعلق بالوظائف الحكومية التي خلت منهم تقريبا لفترة طويلة مما كان له تأثيره السلبي.. ومع الانجذاب للعمل في الشركة كان ابناء المنطقة لا يتوانون في القيام بأي عمل ترغب فيه الشركة.. سهلاً او صعباً.. نظيفاً ام غير نظيف.. خطرا أم غير خطر.. ولا زلت اتذكر حادثة وفاة شاب من ابناء جيراننا في تاروت عندما فتح احد زملائه عن طريق الخطأ صمام غاز اودى بحياته.

عبيد وعيد
وقبل ان يطوي ضيفنا صفحة مدرسة القطيف الاميرية يتذكر اسماء بعض الاساتذة.. فيقول:
اتذكر الاستاذ عبيد والاستاذ عيد وقد كانا شديدين مع الطلبة.. كما كان هناك الاستاذ (ابن دهام) والاستاذ (ابن سحيم) الذي عمل في محكمة القطيف الشرعية فيما بعد ولا أزال اذكر له كيف علمنا طريقة الاستئذان عند الرغبة في الخروج من الصف.. كنا نجلس على البساط المفروش على الارض حيث لم يكن هناك كراسي او طاولات او أدراج.. ولم يكن هناك كتب مطبوعة بل كتاب واحد لدى الاستاذ ينقل منه كلمات الدروس التي يسطرها على اللوح الاسود (السبورة).

ولد جميل جشي بجزيرة تاروت بمحافظة القطيف بالمنطقة الشرقية
لا يوجد تاريخ محدد ليوم ولادته ويشير الجشي الى ان المعلومات تشير الى انه ولد بين عام 1357هـ وعام 1360 وان كان يرجح يوم 20 رجب عام 1359هـ
التحق بالمدرسة الاميرية الابتدائية عام 1367هـ
ترك مقاعد الدراسة في سن مبكرة والتحق بشركة ارامكو وواصل تعليمه الابتدائي والمتوسط عن طريق المنازل



غداً .. العودة الى تاروت