جاء شتاء هذا العام استثنائياً بمنطقة الحدود الشمالية في كل شيء اذ تجاوزت البرودة ما هو معتاد كل عام حتى وصلت درجة الحرارة الى اكثر من عشر درجات تحت الصفر. وفي الوقت الذي لم يسلم فيه البشر من لفحات البرد ما بين أطفال ومسنين ورعاة.. لم تسلم الماشية هي الأخرى من النفوق بطرق غير مألوفة ولم تحدث من قبل.
والمؤسف ان البرد هذا العام لم يكن هو الشيء الوحيد الذي أثر على حياة الماشية وان كان له دور كبير.. اذ ان الجوع يمثل هو الآخر سلاحا فتاكا مع البرد ولم يكن الجوع بسبب ندرة الاعشاب البرية بل من صعوبة تقديم الاعلاف لهذه الاغنام بسبب ارتفاع سعر كيس الشعير الذي وصل سعره الى خمسين ريالاً.
أكبر ثروة حيوانية
تعتبر منطقة الحدود الشمالية اكبر منطقة رعوية بالمملكة اضافة الى محافظة حفر الباطن بالمنطقة الشرقية.
وكشف مدير عام شؤون الزراعة بمنطقة الحدود الشمالية حسين بن صالح الصغير عن اعداد الاغنام التي تجاوزت الخمسة ملايين ونصف المليون رأس والماعز الذي تجاوز نصف المليون.. اضافة الى الابل.. والابقار.
وأكد الصغير ان المنطقة تعتمد على الثروة الحيوانية كأبرز دخل وان عمل الفرع يمثل 70% منه على هذه الثروة.
مؤكداً ان هناك لجنة مشكلة من الامارة ووزارة المالية والدفاع المدني وشؤون الزراعة للوقوف على حالات النفوق موضحاً ان فرع الزراعة.. قام بتجهيز طبيب بيطري يعمل على مدار الساعة وجاهز لمباشرة أي حالات مرضية.
البرد والجوع
شهدت المنطقة هذا العام نفوق عدد كبير من الاغنام لا يمكن حصرها ولكنها تتجاوز الآلاف.
ويؤكد عواد الصياف الحازمي الذي نفق له ما لا يقل عن ثلاثمائة رأس من الاغنام ان اعداد الاغنام بالحدود الشمالية كبير جداً.
ولكن الاغنام تموت دون ان يتم الاعلان عن ذلك والاغنام تنفق كل عام ولكن هذا العام مختلف حين اجتمع البرد مع الجوع.. فالكثير من ملاك الاغنام.. لا يستطيعون توفير (الشعير).
نازل بن حمد الرويلي الذي خسر ما لا يقل عن خمسين رأساً من الاغنام خلال الايام الماضية يقول: نعم هما سببان لا ثالث لهما..
الأول: الجوع الشديد.. لأنني لا استطيع شراء الكمية التي تحتاجها الاغنام من الشعير بسبب ارتفاع سعره الذي وصل الى 50 ريالاً للكيس في حين كان في السابق.. 22 ريالاً.
والثاني: البرد الشديد الذي صاحبه هذا العام ثلوج وزخات برد وهو يؤثر على الاغنام بلا شك ويؤثر على حركتها.. واقبالها على الطعام.. وهذا يمثل عاملا آخر أدى الى نفوق كميات كبيرة من اغنام المنطقة.
جازم بن فلاح الرويلي باع ما يقارب من 1000 رأس من الاغنام بسبب عدم قدرته على تقديم الاعلاف يقول: في الوقت الذي احتاج الى تقديم 15 كيسا بمبلغ 750 ريالا يومياً فإن ذلك يكلف شهرياً 22.500 الف ريال.
ويضيف: البرد والجوع تسببا هذا العام بنفوق ما لا يقل عن 200 رأس من اغنامي وهو سبب دعاني لأن اقوم ببيعها.. ونضطر الى تقديم الذرة الخضراء والبرسيم وكانت ربطة الذرة سابقاً بثمانية ريالات اما الآن فهي بـ17 ريالا وهذا مؤسف.
ويطالب الرويلي وزارة الزراعة والمهتمين بالنظر في عملية نفوق الاغنام وعدم قدرة الملاك على شراء الشعير.
أما حمود بن خالد العنزي.. الذي يتردد يومياً على مرعى اغنامه شمال عرعر.. فهو لا يفاجأ عندما يجد كل يوم مجموعة نافقة.. أو مجموعة بلا صوف وقد تحولت هياكل عظمية بسبب الجوع والبرد.
فالأغنام كما يقول تأكل بعضها وارتفاع كيس الشعير الى خمسين ريالاً تسبب في تقليل نسبة تقديم العلف الى الاغنام.
ويطالب العنزي وزارة الزراعة والجهات المسؤولة بالتدخل لإنقاذ الوضع.
هياكل عظمية
في جولة «عـكاظ» على عدد من المواقع التي تنتشر فيها اغنام الحدود الشمالية لا سيما شمال مدينة عرعر اتضح ان الاغنام تحولت الى اشبه بالهياكل العظمية وبلا صوف وذلك بسبب الجوع.
ففي الوقت الذي كانت تأكل فيه الشعير بكميات كبيرة تحولت هذه الكميات الى النصف على الأقل.
فمن كان يقدم لأغنامه 100 كيس شعير باليوم الواحد اصبح يقدم لها الآن 50 كيساً.
وكانت تكلفة المائة كيس سابقاً 2200 ريال في حين بلغت تكلفة المائة كيس حالياً 5000 ريال.
وأغلب مالكي الأغنام في الحدود الشمالية ليس لديهم دخل ثابت فهم يقومون بتقديم الاعلاف من نفس المصدر عن طريق بيع الاغنام.
علي العنزي احد العاملين في مجال بيع الاغنام يقول: الوضع هذا العام مقلق اذا اجتمع البرد والجوع على الاغنام وهو ما يهدد الثروة الحيوانية بالمنطقة بالانقراض اذا لم تتدخل الجهات المسؤولة كوزارة الزراعة مثلاً.
وطالب العنزي مستوردي الشعير بمخافة الله من الاضرار بالمواطنين برفع سعر الشعير الى ارقام فلكية.
المساواة بالإبل
أعادت قضية نفوق الاغنام بكثرة في منطقة الحدود الشمالية الى الأذهان قضية نفوق الابل في منطقة وادي الدواسر والمناطق الجنوبية.. وهو ما جعل الجهات المختصة تبادر بتعويض ملاك الابل بمبلغ 20 الف ريال لكل رأس من الابل وهو ما ساهم في تخفيف المعاناة عن اصحاب الابل.
الكثير من المتضررين من نفوق الاغنام بمنطقة الحدود الشمالية لم يتقدموا بطلب تعويض الى الجهات المسؤولة وفي الوقت الذي تقدم فيه بعضهم.. لم يفعل ذلك الكثير ولكنهم طالبوا عبر «عـكاظ» الجهات المسؤولة بالتعويض.
الأغنام تأكل بعضها
واتضح من خلال جولة «عـكاظ» خلو بعض الاغنام من وجود الصوف على ظهورها.. الشيء الذي رسم امامنا اكثر من علامة استفهام.
وبعد السؤال اتضح انها تأكل بعضها البعض اذ دل على ذلك وجود جزء من البرسيم.. التبن على صوفها حيث تقوم الاغنام بأكله وبالتالي اكل الصوف مما يحول الاغنام الى اشبه بالهياكل العظمية.
ما هي الحلول لهذه المشكلة
ورغم ان مشكلة البرد وقتية.. ورغم ان الوضع ربما يتحسن مع قادم الايام الا ان مشكلة غلاء الشعير تبقى هي المشكلة الابرز بالإضافة إلى ارتفاع اسعار الاغنام التي تجاوز سعر بعضها الالف ريال وهو الشيء غير المألوف في الحدود الشمالية.
وتبقى عملية خفض اسعار الشعير واعادته الى ما كان عليه الحل الأمثل.
في حين يرى البعض ان انشاء مصانع للأعلاف وصوامع الغلال هي حل جيد سيساهم في الحد من ارتفاع الشعير وتبقى اغنام الشمالية بحاجة لمن ينقذها.