تعد الشرعية المنبثقة عن انتخابات حرة نزيهة إحدى الركائز الأساسية للديمقراطية الغربية وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية للفوز بالترشيح لانتخابات الرئاسة الأمريكية قد تسفر عن اختيار مرشح ديمقراطي يفتقر إلى الشرعية عن طريق الانتخاب المباشر والحر والنزيه من قبل الشعب. فمنذ عام 1982م استحدث قادة الحزب الديمقراطي منصب “المندوبين الكبار” لزعماء الحزب بهدف منح من يلعبون دورا قياديا في الحزب رأيا وكلمة في العملية الانتخابية. ويقدر عدد “المندوبين الكبار” في الحزب الديمقراطي لهذا العام بما يقرب من 796 مندوبا يشكلون أكثر من 20 في المئة من إجمالي مجموع المندوبين الديمقراطيين الـ “4049” المشاركين في المؤتمر الختامي للحزب الديمقراطي، وأكثر من 41 في المئة من إجمالي مجموع المندوبين الديمقراطيين الـ “2025” الذين يشكلون الأغلبية البسيطة التي يتعين الحصول على أصواتهم لضمان الفوز بترشيح الحزب. وتمثل فئة “المندوبين الكبار” أعضاء الحزب الديمقراطي الكبار من حكام الولايات، وأعضاء الكونجرس، والرؤساء الأمريكيين السابقين كجيمي كارتر وبيل كلينتون ونائب الرئيس السابق آل جور، وجميع زعماء مجلس الكونجرس السابقين مثل ديك جيبهارت، وأعضاء اللجنة الوطنية الديمقراطية (منهم من يتم تعيينه من قبل رئيس الحزب)... ويتميز هؤلاء - وعلى عكس المندوبين الديمقراطيين الآخرين - بأنهم معينون من قبل الحزب لا يتم اختيارهم من خلال الانتخابات الأولية أو المؤتمرات الحزبية، ويملك كل واحد منهم الحرية المطلقة في اختيار مرشحه للرئاسة – حتى قبل الانتخابات الأولية لولايته - دون الالتزام بتأييد مرشح بعينه، وله الحق في تغيير المرشح الذي يدعمه في أي وقت حتى في يوم عقد مؤتمر الحزب الديمقراطي القادم في دنفر بولاية كولورادو في أغسطس من العام الحالي.
وهنا أتفق مع العديد من كبار المحللين والسياسيين البارزين الأمريكيين في أن الأسلوب الذي يتبعه الحزب في الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشح الحزب لانتخابات الرئاسة الأمريكية هو أسلوب غير ديمقراطي. فكبار المندوبين هم فئة غير منتخبة يتم تعيينهم من قبل الحزب لهم الحرية في تأييد مرشح بعينه دون الالتزام برأي الأغلبية الناخبة في الولايات التي ينتمون إليها. وقد تلعب هذه الفئة “غير المنتخبة” دورا رئيسيا وهاما في عملية اختيار مرشح الحزب خاصة في انتخابات هذا العام. حيث لم تسفر نتائج الانتخابات التمهيدية ليوم “الثلاثاء العظيم” عن أية نتائج حاسمة بين مرشحي الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية في ظل التنافس المحموم بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما على ترشيح الحزب. إذ لم يتمكن كلا المرشحين من الحصول على النصيب الأكبر من أصوات المندوبين بالقدر الذي يوفر ما يكفي من الزخم للفوز بترشيح الحزب. وقد لا يحصل أي منهما على الأغلبية البسيطة اللازمة للفوز بترشيح الحزب قبل يوم عقد مؤتمر الحزب الديمقراطي. وهو الأمر الذي قد يضع “المندوبين الكبار” موضع “صناع القرار” يوم المؤتمر مما قد يشكل مشكلة حقيقية للحزب الديمقراطي. وهنا أتفق مع المحامي جاشوا سبيفاك في أن آخر ما يتمناه قادة الحزب هو اختيار مرشح الحزب داخل أروقة المؤتمر. فإن ذلك من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه لعملية شراء لأصوات “المندوبين الكبار”، وصفقات سياسية كثيرة تعقد من الأبواب الخلفية لنيل الترشيح. وهو ما سيضعف مرشح الحزب أمام أعين الناخبين، وخاصة إذا كان الفائز بترشيح الحزب هو المرشح الحاصل على المرتبة الثانية بموجب عدد أصوات المندوبين، إلا أنه فاز بالترشيح بفضل حصوله على عدد أكبر من أصوات “المندوبين الكبار”. وهذا قد يصيب شرائح عديدة ممن يمثلون قاعدة الحزب الديمقراطي الشعبية بخيبة أمل كبيرة، وهو ما قد يكلف الحزب الديمقراطي خسارة الانتخابات الرئاسية لهذا العام.
وكغيري من المتابعين للانتخابات الأمريكية الجارية حاليا - والتي تحظى باهتمام ومتابعة عربية غير مسبوقة - وممن يتابعون هذا الكم الهائل من الشعارات الأمريكية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي أتساءل عن مدى انسجام هذا الأسلوب غير الديمقراطي من وجهة النظر الغربية مع تلك النداءات والانتقادات التي يوجهها مرشحو وأقطاب الحزب حول الانتخابات والإصلاح والتغيير الديمقراطي في العالم العربي! وهنا أضم تساؤلي لتساؤل الكاتبة الأمريكية كاترينا فاندين: ألم يحن الوقت للحزب الديمقراطي - وهو يرفع شعار “التغيير” في انتخابات هذا العام - لأن يعطي معنى حقيقياً لكلمة الديمقراطية التي تمثل اسم الحزب، ويقوم بإصلاح نظام “المندوبين الكبار” حتى يتسنى للشعب الأمريكي وليس للحزب اختيار مرشحهم؟
afansary@yahoo.com
«المندوبون الكبار» والديمقراطية المسلوبة
8 فبراير 2008 - 22:19
|
آخر تحديث 8 فبراير 2008 - 22:19
تابع قناة عكاظ على الواتساب