أبو منصور.. أعرفه عزّ المعرفة.. من أيام طفولتي وأنا أراه.. لأنه قريبي..
مع كثرة رؤيتي له.. وطول معاشرتي له.. وجلوسي معه ما رأيته أبدا بدون الشماغ أو البشت.. كانت أمنيتي أن أرى رأسه.. ودّي أعرف هل شعره طويل أو قصير.. أو أنه أصلع.. حتى إنه يلبس شماغه بطريقة عجيبة لا تسمح لي أو لأي أحد أن يرى أذنيه.. ودّي أعرف هل أذنيه مثل آذان الناس.. هل هي طويلة وكبيرة جدا أو أنها قصيرة وصغيرة جدا.. أو أنها بين بين.. لا هي طويلة ولا هي قصيرة.. بصراحة ودّي أقول أكثر من كذا.. بصراحة لم أر بطنه.. ودّي أعرف.. من باب الفضول.. هل له كرش كبيرة.. أو أن بطنه مثل اللوح.. لأنه يلبس البشت بطريقة ما تعطينا فرصة أن نعرف.. أبو منصور يرى أنه مما يخالف الوقار والرزانة والثقل أن يفسخ شماغه أو بشته.. حتى وهو نايم.. لأنه ينام في أغلب أوقاته وهو جالس.. حتى إن نومه خفيف جدا.. لو تمرّ ذبابة أو عصفور من جواره يستيقظ .. لأنه يعرف أن النايم قد يتصرف تصرفا غير لائق.. لأن النايم لا يملك الارادة والسيطرة.. راقبته في الليل والنهار لكني ما أفلحت.. بصراحة ودّي أقول أكثر من كذا.. بصراحة لم أقدر أرى أسنانه.. كانت منيتي أن أرى أسنانه.. هل هي بيضاء جدا.. أو صفراء جدا.. أو قليلا.. كنت أتمنى أن أراه وهو يفتح فمه.. كل ما أقدر أن أراه منه.. عيونه الواسعة.. وهي تشبه عيون النمر.. وخشمه .. وخشمه أيضا يشبه النمر الرابض ورافع رأسه.. أعوذ بالله.. بصراحة حتى جبهته أو جبينه لا يمكن رؤيتها.. لأنه يكبس عقاله حتى يصير عقاله راكبا فوق حاجبيه.. ربّ قائل يقول « طيّب ما يضحك حتى نقدر نشوف أسنانه ؟ «.. وهاذا سؤال وجيه.. لكن أي يضحك ؟.. أقول إنه ما يفسخ شماغه وبشته أبدا.. وتقولون.. طيّب ما يضحك ؟.. يجب أن أكون منصفا.. كان يبتسم فقط.. وحتى إذا ابتسم يضغط براطمه أو شفتيه على بعضهما بشدّة.. لأنه يرى أن الضحك مخالفا للرجولة والوقار والهيبة.. أذكر أني وأنا صغير حاولت أن أدغدغه حتى يضحك.. لكنه فرك أذني بأصابعه ولم يضحك.. وهربت أنا.. أطلقت ساقيّ للريح من شدة الألم.. ومع أنه فرك ومهص ولوى أذني إلا أني شعرت بأن حتى أصابع قدمي تؤلمني.. من شدة فعلته تلك.. ربّ قائل يقول متسائلا « طيّب ما يسبح ؟ ».. وهاذا تساؤل منطقي وطبيعي.. لكن أقول حسب معرفتي به أنه ربما.. أقول ربّما يسبح دون أن يفسخ شماغه أو بشته.. رأيته في أحد الأيام خلف الأثلة.. وهي شجرة كبيرة جدا وقديمة جدا.. فرآني.. فأخذ حجرة كبيرة وأرسلها إليّ.. ويعلم الله لو أصابتني إني هالحين مع الأموات.. وأنكم ما تقرأون ما أقوله لكم الآن.. كان في نفسي أن أشوف حتى لو ركبته.. أو ساقه.. أرجو رجاء حارّا أن لا تظنّوا أنه قاس أو شديد القسوة أو أنّه معقّد أشد التعقيد.. على العكس تماما هو طيّب جدا جدا جدا.. من أروع وأطيب الشيبان.. مشكلته فقط أنه وقور.. اسمحوا لي أقول لكم حاجة تدهشكم جدا جدا.. كان يحب جدا سماع الأخبار والأغاني.. لذلك من أهم الأشياء عنده الرادو.. فمثلا.. على سبيل المثال لا الحصر.. يصعد في ليالي الصيف إلى السطح ويدخل في فراشه ويكون بشته كأنه بطّانية.. ويضع الرادو تحت البشت ويبحث عن إحدى الاذاعات.. ثم يخرج رأسه من تحت البشت ويراقب أهله.. إن كانوا بعيدين يحط ّ أغنية.. وإن كانوا قريبين يسمع الأخبار.. أنا متأكد من هاذا لأني في إحدى المرّات سألت ولده منصور « وين أبوك ؟ ».. قال لي « في سطح الروشن يتسمّع للأخبار ».. فتسللت إليه بهدوء.. وجدته لفّ نفسه ببشته.. وكأنه ميّت ملفوف بكفنه.. مشيت على يدي ورجلي حتى وصلته.. فسمعت صوت أم كلثوم.. أنساك دا كلام أهو دا اللي مش ممكن أبدا.. وسمعته يقول مع الجمهور.. الله.. الله.. بل كان يغنّي معها.. وسبحان الله حس بوجودي.. وأخذ عصاته وضربني وأنا كنت منسجم مع الأغنية.. والحمدلله أن الضربة ما أصابت رأسي وإلا كان قسمته نصفين.. أصابت رجلي.. فرحت أركض وأعرج.. لذلك يأخذ الرادو في أغلب الأحيان ويروح يجلس في الشعيب.. أو في المزرعة.. بعيدا عن الناس.. حتى يأخذ راحته.. في إحدى الليالي الصيفيّة كان جالس في الشعيب.. وكانت ليلة جمعة.. يسمع أغاني أم كلثوم من الإذاعة.. فجاءه أحد الشيبان.. سأله « وش تعمل يابو منصور ؟ «.. قال « أبد والله.. جالس أسمع الأخبار|» .. فتعجب الشايب وقال متسائلا.. وسؤاله في مكانه من وجهة نظري « تسمع الأخبار يا بومنصور نصف الليل ؟ !»..
طبعا أنا ما أقصد أنه طيّب جدا ورائع جدا ومن أفضل الشيبان اللي عرفتهم لأنّه يسمع الأغاني.. بل لأنه من أعطف الشيبان على الأطفال.. فجيوبه دائما ممتلئة بالحلوى.. صحيح أنّه ما يقبّل الأطفال أو يحبّهم ولا يحتضنهم.. إلا أنّه يمسح بيده على رؤوسهم ويعطيهم الحلوى.. وهاذا كافي.. بل أقول حتى أكون منصفا .. ليس فقط لأني موضوعي ومحايد.. بل أيضا لأني أغليه.. أقول كان عطوفا جدا ورحيما جدا بالحيوان.. فقد رأيته ذات يوم وقد حمل فرخ عصفور سقط من عشّه.. يحمله بكفّه ودمعته على خدّه ويصعد النخلة حتى يضع فرخ العصفور في عشّه.. وكان فرخ العصفور لحيميّا لم يظهر له ريش.. كان يصعد النخلة وهو لابس بشته.. ولذلك يئست أنا من أن أشوفه فاسخا بشته.. حتى في حالة الحزن مسكّر على جسده بالبشت..
دعوني أقول شيئا عن وقاره.. في أحد الأيام ركب مع أصحابه.. طالعين للبر.. ركبوا السيارة وهي من نوع البلاكاش.. سيارة قديمة.. قال الشاعر: ياهل البلاكاش ما لي مركب معكم ؟ ...
في الطريق.. في الصحراء.. كانوا يغنّون.. وكان السايق أبو علي رجلا طروبا.. فبدأ يصفّق ويترك الدركسون.. فانحرفت السيارة يمينا وشمالا ثم انقلبت.. ولمّا أفاقوا وجدوا أبو منصور يجمع البرتقال المنتثر.. كان معهم كرتون برتقال.. فسأله أحدهم « وش تعمل يا بو منصور ؟ ».. فأجابه « أجمع البرتقال حتى لا يشوفنا أحد ويقول إننا منقلبين ».. فضحكوا وقالوا له « شلون ما يدري إننا منقلبين والسيارة كفراتها فوق ونايمة على ظهرها ...».. اكتشفوا فيما بعد أنه أكثرهم تضررا.. عنده ثلاثة أضلاع مكسورة.. لكن نسي آلامه من شدّة وقاره حتى لا يعلم أحد أنهم منقلبين.. لأن انقلاب السيارة مخالف جدا للوقار وللهيبة والرزانة ..
عندما كبرت زرته في المستشفى وكان مريضا فوجدته على السرير كما عهدته دايما لابس البشت والشماغ والعقال..

afahead@hotmail.com