مع احتدام السباق للفوز بالترشيح للمرحلة الأولية لانتخابات الرئاسة الأمريكية، يتنافس المرشحون الجمهوريون على كسب أصوات اليمين خاصة أصوات «الإنجيليين الأصوليين» أو «المحافظين الجدد» أو «اليمين الديني»، الذين يشكلون القاعدة الأخلاقية والدينية والاجتماعية الأبرز انتماءً التي تمثل نحو ثلث أصوات الناخبين للحزب الجمهوري. إذ تنسجم أجندة تكتل اليمين الديني – والتي تدور محاورها حول مناوأة الإجهاض وزواج المثليين، وزيادة دور المسيحية في الحياة العامة الأمريكية، والحرص على تعيين قضاة محافظين في المحكمة العليا... – مع الفلسفة السياسية للحزب، على الرغم من أن الحزب الجمهوري ليس حزبا دينيا، أو حزبا مبنيا على أساس ديني. فهو حزب سياسي أبرز سماته هو قدرته الفائقة على توظيف علاقاته بالتكتلات الرئيسية المحيطة به والأجندة التي تنادي بها للفوز بالانتخابات الأمريكية. إلا أنه في الفترة الأخيرة تدنت مستويات دعم تكتل اليمين الديني للحزب في ظل إصابة الناخب المسيحي المتدين بالإحباط إزاء الأداء الباهت للإدارة الأمريكية والحزب الجمهوري في مواجهة المخاطر الاجتماعية المهمة له مثل الإجهاض وزواج المثليين فضلا عن استيائه من الفضائح السياسية والأخلاقية وفضائح الفساد التي طالت بعض أقطاب الحزب. لكن وعلى ما يبدو فإن زعماء تكتل الإنجيليين الأصوليين والمتنافسين الجمهوريين في انتخابات الرئاسة الأمريكية قد وجدوا ضالتهم في «الهجوم على الإسلام والمسلمين» لاستنهاض الناخبين في هذا التكتل الرئيسي للحزب الجمهوري. فقد تبنى أقطاب الحزب إستراتيجية ترمي إلى توسيع دائرة أجندة تكتل اليمين الديني في قضايا الأمن القومي، وإعادة ترتيب أولويات الناخب اليميني المتدين بعيدا عن الأجندة التقليدية باتجاه التصدي لما وصف بأنه «الأصولية الإسلامية» باعتبارها الخطر الحقيقي الذي يتهدد الديانة المسيحية. فزعماء هذه الطائفة يتعمدون عدم التفريق بين الإرهاب والإسلام، وبين الإرهابيين والغالبية الساحقة من المسلمين، ويرون أن «الإسلام الراديكالي» كـــــ«الشيوعية الراديكالية» يشكل تهديدا اجتماعيا وسياسيا وعقديا وخاصة للكنيسة والتنصير. كما يرون أن الحرب على العراق وأفغانستان – التي تحظى بتأييد واسع في أوساط المحافظين الجدد – يجب أن ينظر لها في إطار السياق الأوسع المتمثل في التصدي لحرب الفاشية الإسلامية على أمريكا والحضارة الغربية، باعتبارها معركة بين الخير والشر وصداماً بين الحضارات.
ويهدف الحزب بذلك إلى تنشيط أحد أهم تكتلات الحزب الجمهوري الانتخابية لهذا العام على غرار استخدام الحزب لورقة التدابير المناهضة للزواج المثلي في عام 2004 التي أدت إلى تصويت الناخبين الإنجيليين بكثافة لصالح الحزب الجمهوري. وقد حظي المرشحون الجمهوريون الأقرب لهذا المنهج بتأييد زعماء هذه الطائفة. فقد أعلن القس الشهير بات روبرتسون - منظر اليمين الأمريكي المعاصر - تأييده لرودي جولياني، عمدة مدينة نيويورك السابق بسبب سياسة جولياني المتشددة في تشويه صورة الإسلام والمسلمين. فالمصطلح المفضل لدى جولياني عند حديثه عن الإرهاب هو «المسلمون الإرهابيون» ومؤخرا، بدأ باستعمال وصف «الإسلام الفاشستي». بل ذهب جون ديدي – الرئيس المساعد لجمعية «محاربون من أجل جولياني» بولاية نيوهامشير – إلى أبعد من ذلك في تصريحات أدلى بها لصحيفة «الجارديان» البريطانية حيث وصف المسلمين «بالمجانين والدمويين»، وطالب بإبقاء الضغط المستمر على المسلمين – الذين لا يمكن بزعمه أن يكون بينهم أناس جيدون – حتى (سحقهم) أو طردهم وإرجاعهم إلى «كهوفهم»، أو بعبارة مغايرة «التخلص منهم». ورغم استقالة ديدي من منصبه فقد بقي جولياني صامتا ولم يندد بهذه التصريحات. ذلك فضلا عن تصريحات النائب الجمهوري بيتر كينج – مستشار جولياني للأمن الداخلي – المتكررة المعادية لمسلمي أمريكا. ومازال يحظى جولياني بتأييد أقطاب تكتل «المحافظين الجدد» الدينية والإعلامية رغم تراجع حظوظه الانتخابية، بل ورغم تأييده لحق المرأة في الإجهاض وبحقوق المثليين جنسيا على الرغم من تعارضها مع قاعدة الإنجيليين الأصوليين الأخلاقية والدينية والاجتماعية. إلا أن تصريحاته ذات اللهجة العدائية تجعل منه المرشح المثالي لتحقيق الإستراتيجية السابقة، ومن ثم الإبقاء على حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة القادمة. وربما كان الخطاب المعادي للإسلام والمسلمين هو الطريق الأقصر لاستنفار هذه الشريحة من الناخبين الجمهوريين، إلا أنه طريق رخيص ومبتذل يضر بمصالح الولايات المتحدة وعلاقة الغرب بالإسلام على المدى البعيد، ويؤدي إلى عزل وتهميش الجالية الإسلامية عن المجتمع الأمريكي، وإلى تنامي نزعة الخوف والهلع في نفوس الأمريكيين من الإسلام والمسلمين، وإلى تنامي نزعة الحقد الديني بين الإنجيليين الأصوليين.
afansary@yahoo.com
«التهديد الإسلامي» والأجندة الانتخابية الأمريكية (1)
25 يناير 2008 - 22:07
|
آخر تحديث 25 يناير 2008 - 22:07
تابع قناة عكاظ على الواتساب