قلق غربي دائم من القيود المفروضة على ممارسة حرية الرأي والتعبير في العالم العربي، وحديث حول قدسية هذا المبدأ، واستعراض لنماذج وأمثلة رائعة حول ممارسته داخل المجتمعات الغربية. نعم حديث الغرب عن قدسية حرية التعبير حديث ماتع ورائع من وجهة نظر البعض، إلا أنه في نظري يحتاج إلى ترشيد. فمن الخطأ النظر إلى مبدأ حرية التعبير في الغرب على أنه مبدأ مطلق بلا قيود. فواقع الأنظمة الغربية لا يقر حرية التعبير كحق مطلق بل يقيده بضوابط تحكمه وتنظمه، وأخرى تمثل خطوطا حمراء ومقدسات سياسية لا يمكن تجاوزها حتى في ظل الديمقراطية والحرية الغربية. ولنأخذ مثلا تجربة الدول الأوروبية في تطبيقها للأنظمة المحيطة بهذا المبدأ: فالمادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والمكرسة لحرية التعبير تتمتع بوضع خاص. فهي ليست واحدة من الركائز الأساسية للديمقراطية الأوروبية فحسب، بل شرط أساسي للتمتع بالعديد من غيرها من الحقوق والحريات المنصوص عليها في الاتفاقية. فقد نصت الفقرة الأولى من المادة العاشرة من الاتفاقية على أن «لكل إنسان الحق في حرية التعبير. هذا الحق يشمل حرية اعتناق الآراء وتلقي وتقديم المعلومات والأفكار دون تدخل من السلطة العامة، وبصرف النظر عن الحدود الدولية.» وفي حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الصادر في ديسمبر 1976 في قضية «هانديسايد»، صرحت المحكمة بأن حرية التعبير «تشكل واحدا من الأسس الجوهرية للمجتمع الديمقراطي، وأحد الشروط الأساسية لتقدم وتنمية الإنسان. ولا تنطبق (هذه الحرية) فقط على المعلومات أو الأفكار التي يتلقاها الناس بارتياح وتعتبر غير مؤذية أو غير ذات أهمية، وإنما (تنطبق) أيضا على ما قد يعتبر مؤذياً. هذه هي مطالب التعددية والتسامح وسعة الأفق التي بدونها لا يوجد أي مجتمع ديمقراطي».
إلا أن حرية التعبير ليست مطلقة، بل هي مقيدة وفق شروط نصت عليها الفقرة الثانية من المادة العاشرة نفسها والتي يمكن قبولها فقط باعتبارها ضرورية لأي مجتمع ديمقراطي. فقد نصت الفقرة الثانية من المادة العاشرة على أن «الحريات تتضمن واجبات ومسؤوليات. لذا يجوز إخضاعها لشكليات إجرائية، وشروط، وقيود، وعقوبات محددة في القانون حسبما تقتضيه الضرورة في مجتمع ديمقراطي، لصالح الأمن القومي، وسلامة الأراضي، وأمن الجماهير وحفظ النظام ومنع الجريمة، وحماية الصحة والآداب، واحترام حقوق الآخرين، ومنع إفشاء الأسرار، أو تدعيم السلطة وحياد القضاء». والسؤال الرئيسي المطروح هو: من الذي يقرر تلك “الضرورة”؟ هل هي محكمة حقوق الإنسان التي أنيط بها تنفيذ الاتفاقية الأوروبية، أم الضغوط السياسية الخارجية، أم سلطات الحكومة المحلية التي تمثل الشعب والقائمة على مصالحه؟ ففي قضية “هانديسايد” السابقة أقرت المحكمة بأنه بحكم درايتها بمصالح الشعب واتصالها المباشر والمستمر بالقوى الحيوية في بلدها، فإن الدولة (الحكومة) من حيث المبدأ في وضع أفضل لتحديد الضرورة والقيود المفروضة على حرية الرأي، والعقوبات التي يمكن فرضها في حالة مخالفة الأنظمة المعمول بها في الدولة. فالحق أن حرية التعبير هي مبدأ مهم جدا إلا أنه يحده قيود وضوابط في المجتمع الغربي. إلا أن محكمة حقوق الإنسان شددت على أن هذه القيود لا بد أن تكون دقيقة ومحدودة ومقنعة، وهو ما يفسر كثرة الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية والقاضية بانتهاك الدول للمادة السابقة، وقلتها في إقرار حق دولة ما في تقييد هذا المبدأ. إلا أن بعض الدول الأوروبية توسعت في مبدأ الضرورة حتى باتت حرية التعبير عندها منوطة بسياسة الدولة لا ضرورياتها، كالقيود المفروضة مثلا على الحديث عن السامية أو الهولوكست، وهو شبيه بذلك التحجيم المستمر لمبدأ حرية التعبير في بعض الدول العربية تحت ستار “الأمن القومي”. وربما سقطت المحكمة الأوروبية في بعض الأحيان فريسة للمصالح والضغوط السياسية للدول.
ومع هذا فليس هناك أدنى شك في حق الدول في تهذيب هذا المبدأ والمطالبة باحترام ضوابطه، إلا أن الدول وخاصة الإسلامية مطالبة بوضع أنظمة واضحة في موادها وصياغتها، ومتاحة للجميع معرفتها، تحدد تلك القيود المفروضة، دون التوسع فيها، أو تعدي أسباب الحظر أو الأهداف المراد تحقيقها، ولا تمس حق الفرد في النقد الهادف البنّاء المبني على أسس متينة من الموضوعية. ومجتمعاتنا الإسلامية قادرة على تنظيم هذا المبدأ وفق ضوابط حرية التعبير في المنظومة الإسلامية بكل قيمها الدينية والأخلاقية والحضارية.
afansary@yahoo.com