مع أن السواد كلون للكعبة بات جزءا من هويتها في الذاكرة الجماعية حتى ان الوصف الشائع عالميا لها أنها «المكعب الأسود»، إلا أنه من الثابت تاريخيا أن أول كسوة مخصوصة للكعبة في الإسلام كانت كسوة بيضاء، فبعد فتح مكة لم يغير النبي عليه السلام كسوة الكعبة إلا بعد أن احترقت عرضًا أثناء تبخير امرأة لها، فكساها بالثياب اليمانية، لكن أول كسوة مخصوصة للكعبة أحضرت من مصر خصيصا كانت كسوة بيضاء «القباطي المصري» وكان ذلك في عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعليه كانت سنة أغلب العصور، وفي عهد المأمون كانت الكعبة تكسى بالحرير الأحمر يوم التروية، والقباطي الأبيض أول رجب، والحرير الأبيض في رمضان، وعلى مثله كانت عامة كسوة العباسيين، وكانت الكسوة الفاطمية بيضاء، وذكر الحافظ بن حجر في الفتح والأزرقي في أخبار مكة، أن الناصر العباسي كساها بكسوة خضراء ثم سوداء استمرت إلى الآن. ولعل سيادة الأسود كانت لغرض عملي باعتبار مقاومة الأسود لعوامل البيئة، لكن في العصر الحديث يمكن ببساطة تجاوز هذا الاعتبار العملي بأنواع من النسيج والمواد المضافة التي يمكنها تأمين الحماية من تأثيرات العوامل المختلفة، ولا عجب في تفضيل الخلفاء الراشدين ومن بعدهم للأبيض، فهو اللون المفضل في الإسلام لأنه رمز النور والإيمان والسلام، فكانت للنبي عليه السلام راية بيضاء، والبياض لون ثياب الملائكة، روى البخاري عن سعد: «رأيت بشماله ويمينه رجلين عليهما ثياب بيض يوم أحد». وهما جبريل وميكائيل عليهما السلام. وفي حديث تشخص جبريل وسؤاله للنبي عن أركان الإسلام والإيمان والإحسان وصف بأنه «شديد بياض الثياب»، واستدل النبي من لون البياض على صلاح حال ورقة بن نوفل بعد موته عندما سألته عن مصيره السيدة خديجة (أريته في المنام وعليه ثياب بياض ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك) الترمذي، ومن المتفق عليه بين الفقهاء استحباب لبس اللون الأبيض، وللبخاري في صحيحه باب خاص «باب الثياب البيض» وروى أحمد وابن ماجه والترمذي، وصححه عن ابن عباس، قال الرسول صلى الله عليه وسلم (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم). والبياض رمز للطهر، ففي الدعاء النبوي (اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) ويسن الدعاء بمثله للميت. وأخرج ابن ماجه مرفوعا (أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض) الطبراني والبزار. وأثر عن عمر بن الخطاب استحباب لبس الأبيض لقارئ القرآن، والإحرام هو بالبياض، ولا نريد الدخول في الدلالات النفسية للون الأبيض، إنما من حيث سنة الخلفاء الراشدين، وتوصية من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى بتفضيل البياض، ونزول الملائكة بالبياض، فسيكون ما أروعه من منظر.. انعكاس نور الشمس على الأرضية البيضاء وكسوة الكعبة البيضاء، وانعكاس الأنوار الساطعة في الليل على الكعبة البيضاء لتبدو كدرة نور، كأنها كما قال الفيزيائي «د.ديفيد بوم» صاحب أينشتاين في وصف المادة «نور مجمد».
bushra.sbe@gmail.com
أخبار ذات صلة