الباحثة والناقدة الأدبية الدكتورة فاطمة عبدالله الوهيبي, تمكنت أخيراً من حل معضلة بحثها المعرفي عن “الظل”, وتقديمه للساحة الثقافية والأكاديمية في كتاب بدأت كتابة بعض فصوله قبل عشر سنوات, ولم تتمكن من انجازه الا بعد ان اجبرها سير الأمور الى “التخلي عن عملها الأكاديمي”.
لكن السؤال الذي يتبادر الى الأذهان هو: هل كان بالامكان ان يتم البحث في مدة أقل؟
وتجيب الباحثة والناقدة الأدبية على ذلك بتوجيه عتاب شديد للمؤسسات الأكاديمية والثقافية بعجزها عن تقديم الدعم لها وتوفير فرصة التفرغ والبحث لانجاز هذا العمل. مشيرة الى انها كتبت بعض فصول العمل قبل عشر سنوات, الامر الذي اجبرها على “التخلي عن العمل الأكاديمي في فترة اعداد وتجهيز الكتاب”.
“الظل.. اساطيره وامتداداته المعرفية والابداعية” عنوان كتاب الوهيبي الجديد, وهو عبارة عن بحث سعت فيه المؤلفة الى توصيف معرفي للعديد من المقولات حول الظل ومحاولة الكشف عما اذا كانت ثمة وحدة تجمع تفكير الثقافات حوله ومن ثم السعي لابراز بنيته وهويته ليكون كما اشارت في مقدمة الكتاب تمهيدا اوليا لدراسة متعمقة في “اركيولوجيا الظل” تتقصى فيها مواطن الفجوات والانقطاع والانفصال والتناقضات في الرؤية عبر القرون والحقول الثقافية المختلفة ومحاولة الكشف عن ملامح رؤية اخرى ان وجدت.
عشرة فصول
اشتمل كتاب الظل على عشرة فصول بدأت بالظل في الميثولوجيا ثم الظل في المدونة التراثية والدينية “في القرآن الكريم والحديث الشريف وفي عدد من نصوص وكتب الفرق الدينية” كالظل وبدء الخليقة عند المغيرية وفي كتاب الهفت والائلة و”أم الكتاب” او اسطورة الخلق والظلال عند الاسماعيلية ورؤيا جابر, وكذلك تتطرق الوهيبي للظل في المدونة الكلامية والصوفية كما الظل والنور لدى بن منظور والظل عند التوحيدي والظل عند بن عربي ومصطلحاته عند حلي الجرجاني.
وتناقش الوهيبي في الفصل الثالث الظل عند الفلاسفة “افلاطون - النار والظلال”, نيتشة الظل المسافر وفكرة الاصل وتدهور الحقيقة, والظل عند هايجر “الوجود/ الصورة والظل ورؤية العالم” والظل عند جاك نيريدا غياب الأم, وباشلاركوجيتو الظل.
وفي الفصل الرابع وتحت عنوان “الظل وفلسفة الهوية الثقافية بين (مديح الظل) و(ماكينة الابصار)” ناقش الكتاب كتابين الاول للياباني جونشييرو تانيزاكي والآخر للفرنسي بول فيريليو. ثم تناقش الظل في علم النفس وتأخذ يزنج نموذجا حيث الظل والقناع والانيما والانيموس.
وتجيء الكتابة في الفصل السادس حيث الظل واللغة والكتابة والتي تطرح اولا رؤيتها في الظل واللغة في التراث العربي عبر شواهد المغيرة بن سعيد وقصة الحروف الهجائية وبدء الخلق ورمزية الحروف والظل في ام الكتاب وجابر بن حيان وميزان الحروف وابن خلدون وموقفه من مسألة التجلي الاسمائي وعلم اسرار الحروف ويلي ذلك الظل واللغة والكتابة عند الغرب بداية بالظل بوصفه علامة السيمولاكروم لدى ديريدا وهيجو وبارت وظل النص وماوراء اللغة عند جوليا كريستيفا, يلي ذلك الظل في الادب الروائي وفكرة الظل المفقود والقرين والشبح في الرواية وتطرح نماذج لاستخدام فكرة الظل المفقود من بينها رواية الطين لعبده خال وحارسة الظلال لواسيني الاعرج.
نماذج شعرية
وخصصت المؤلفة الفصل الثامن للظل في الشعر في نماذج شعرية اجنبية وعربية من بينها الظل ومسألة الروح والموت في الكوميديا الالهية والظل والصدى والصوت لدى ادونيس والظل/ الشعر والشكل والهوية في شعر محمود درويش ثم ثنانيات ومحاور الظل والصدى والظل والماء والمرأة والعتمة والظل والشبحية وفكرة الزمن والاثر وتختم الوهيبي بحثها وكتابها القيم والاضافة المهمة للمكتبة العربية بانطولوجيا الظل/ الهوية والبنية, الوعي بالظل وهويته والبنية والملامح.
وللناقدة الوهيبي العديد من الاصدارات المهمة, منها كتاب “مسرحة التراث في الأدب المسرحي السعودي” الذي يعتبر من الكتب الاولى التي تصدر عن المسرح السعودي, لتصدر بعد ذلك كتاب(نظرية المعنى عند حازم القرطاجني), اما كتابها الثالث فقد صدر بعنوان (نقد النثر في القرنين الرابع والخامس الهجريين). اما كتابها الرابع (دراسات في الشعر السعودي) فقد فاز بجائزة النادي الادبي في الرياض في العام الهجري 1426هـ, لتصدر بعد ذلك كتابها الشهير (المكان والجسد والقصدة: المواجهة وتجليات الذات) والذي استندت فيها على مدخل نظري أظهرت فيه تعالق الثلاثي: اللغة والجسد والعالم, وأنثوية المكان, وانثوية الشعر.