-A +A
غسان بادكوك
ربما كان وزير الخدمة المدنية خالد العرج قد بالغ (بعض الشيء) عندما ذكر في حلقة برنامج الثامنة أن إنتاجية الموظف الحكومي لا تتجاوز ساعة واحدة في اليوم؛ متجاهلا أن وزارته هي المسؤولة -بحكم اختصاصاتها- عن وصول إنتاجية موظفيها لهذه النتيجة الصادمة، ويبدو أن مبالغة معاليه تعود لكونه قد (خانه التعبير) هو الآخر حيث عمّم (التهمة) على كافة موظفي الدولة؛ ولم يستثنِ شرائح وظيفية حكومية عُرف عنها بذلها جهودا مضاعفة، وربما يعمل أفرادها ساعات إضافية (غير مدفوعة الأجر) لأداء مسؤولياتهم الوظيفية، تلك الفئات تشمل المعلمين والأطباء ورجال الأمن والعسكريين عموما وغيرهم، لذلك فإنني أكاد أجزم أن الفئة المقصودة بملاحظة الوزير هي (بعض) موظفي الحكومة الإداريين.

وإذا لم يخب ظني بخصوص مقصد الوزير، فإن معاليه لم يذهب بعيدا في تقرير حقيقة ملموسة؛ يدركها غالبية المواطنين الذين يضطرون لمراجعة معظم الدوائر الحكومية، حيث يندر أن تجد موظفا في مكتبه وعلى رأس عمله مع بداية وقت الدوام الرسمي عند الساعة السابعة والنصف صباحا؛ أو حتى بعده بساعة، بنفس ندرة بقاء غالبية الموظفين حتى نهاية الدوام الحكومي في تمام الساعة الثانية والنصف ظهرا، هذا بالطبع غير التسُّيب، وإضاعة الوقت في قراءة الصحف، ومكالمات وتطبيقات الجوال، ومناقشة موضوعات لا علاقة لها بالعمل، يضاف لكل ذلك الخروج المتكرر خلال الدوام، أمّا من يريد أن يجادل في هذه الحقائق التي لمستها (شخصيا) مرارا وتكرارا؛ كما لمسها غيري من المواطنين خلال مراجعاتنا لعشرات الدوائر الحكومية، فما عليه سوى زيارة إحدى كتابات العدل أو البلديات وفروع الوزارات أوحتى مكاتب الوزراء!، في الصباح الباكر مع بداية الدوام أو حتى بعد انتهاء صلاة الظهر!.


المؤسف في الموضوع هو أن مقدم برنامج الثامنة؛ رغم خبرته الطويلة لم يُوفق في إدارة لقاء بتلك الأهمية أو ربما تعمّد أن يكون (لطيفا) مع ضيوفه أكثر من اللازم، لذلك جاءت حلقة الوزراء مسجّلة؛ خلافا لطبيعة (الثامنة) كبرنامج مباشر البث، فضلا عن عدم مواكبة الحلقة لتوقيت صدور القرارات الأخيرة التي تم الإعلان عنها منذ ٣ أسابيع!، لذلك فإن الأستاذ داود قد أهدر بمحاباته للوزراء فرصة نادرة قد لا تتكرر كثيرا لتقديم طرح مهني رفيع المستوى؛ لا تنقصه المصداقية، ولا تشوبه شبهة المجاملة أو الإعداد المسبق التجهيز!، وهو ما تؤكده سلبية مقدم البرنامج (غير المعهودة) في مناقشة ضيوفه حول (المزاعم) الثلاثة الأكثر جدلية في اللقاء، وهي ضعف الإنتاجية، واحتمالية الإفلاس، وتميُّز أداء الاستثمارات الحكومية!.

وفي خضم الجدل الكبير الذي تلا اتهام وزير الخدمة المدنية للموظفين الحكوميين بضعف الإنتاجية، دارت في مكان آخر قضية مهمة وذات صلة قوية بالموضوع؛ ربما انشغل الكثيرون عن متابعتها، وتتعلق بالقرار الذي أصدره أخيرا أمين المدينة المنورة المهندس محمد العمري، وألزم بموجبه موظفي الأمانة بإثبات تواجدهم خلال الدوام الرسمي بتطبيق نظام البصمة الإليكترونية ثلاث مرات (إضافية) في اليوم؛ بخلاف بصمتي الحضور والانصراف، وخلافا لرأي بعض الزملاء فإن قرار (الأمين) -في تقديري- لم يكن تعسفيا أو أملته المزاجية، بقدر ما كان إجراءً إدارياً فعّالاً؛ استهدف به الأمين مواجهة سلوك وظيفي غير منضبط، وقد يكون قرارا موقتا، سيتم التراجع عنه لاحقا بعد الاطمئنان إلى تحقيق الانضباط ووقف التسيُّب الوظيفي في الأمانة.

شخصيا، أعتقد أن ما فعله أمين المدينة هو عين الصواب؛ وهو بمثابة تأكيد قوي لما ذكره وزير الخدمة المدنية عن تدنّي إنتاجية (الإداريين)، اعتقادي تأكد بعد قراءتي للتصريح (المهم) الذي أدلى به (الأمين) لهذه الجريدة وقال فيه إن «تسرُّب وتسيُّب كثير من موظفي الأمانة في الفترة الصباحية أدّى إلى تأخير إنجاز 114 ألف معاملة في الأمانة!». وقد سبق لي إرسال تغريدات عديدة عبر حسابي على تويتر مؤيدا قرار أمين المدينة؛ أعربت في بعضها عن أملي بأن تبادر وزارة الشؤون البلدية والقروية لدعم موقف (الأمين) في تنفيذ قراره الجريء، عبر إصدارها تعميما لكل الأمانات والبلديات بتطبيق نظام البصمات (الخمس) يوميا؛ شريطة تطبيقه على كافة المستويات الوظيفية، وحبذا لو تم ابتكار طريقة أسهل لإثبات الحضور؛ دونما حاجة لاصطفاف الموظفين في طوابير أمام جهاز البصمة عدة مرات في اليوم، وأقترح في هذا الصدد دراسة التبصيم (إليكترونيا) عبر جهاز الكومبيوتر الخاص بكل موظف؛ باستخدام (اليوزر نيم والباس ورد).

وكانت سعادتي غامرة حينما طالعت قبل أيام في «عكاظ» خبرا في غاية الأهمية؛ حيث لم تتأخر وزارة الشؤون البلدية والقروية في تأييد موقف (الأمين)؛ إذ أوضحت الوزارة على لسان متحدثها الرسمي أن «مبادرة أمين منطقة المدينة المنورة في إقرار وتطبيق قرار البصمة الجديد، يعتبر تنظيما داخليا يقع ضمن صلاحياته التي تخوّلها له الأنظمة واللوائح البلدية»، كان لإمارة منطقة المدينة أيضا دور كبير في مساندة أمين المنطقة، باستدعائها 8 من موظفي الأمانة المعترضين، وإبلاغهم بعدم التجمُّع وتعطيل معاملات المراجعين.

ختاما، فإنه مع إدراكنا التام بأن ضعف إنتاجية بعض موظفي (الخدمة المدنية) الإداريين يندرج تحت بابي (الجود من الموجود) و(من دقنو أفتلو)، بمعنى أنه نتاج (حتمي) لتقصير وزارة الخدمة المدنية على مدى عقود في النهوض بمسؤولياتها في رفع إنتاجيتهم، فإن الوزارة مطالبة الآن بالمسارعة لتحسين بيئة العمل الحكومية، وإقرار الحوافز الوظيفية الملائمة، ووضع وصف وظيفي لقوة العمل، واعتماد النظم الحديثة لقياس الأداء وحوكمة الأعمال، وهي إجراءات ضرورية لإعادة الرشاقة لجسم الكادر الحكومي المترهّل بعد إصلاح التشوهات الواضحة فيه.

gbadkook@yahoo.com

للتواصل أرسل sms إلى 88548 الاتصالات ،636250 موبايلي، 738303 زين تبدأ بالرمز 135 مسافة ثم الرسالة