مر التورق عبر التاريخ بثلاث مراحل: «التورق الفردي خارج النظام المصرفي» وهي الصيغة المعروفة للحصول على النقد منذ الصدر الأول للإسلام واستمر هذا الاستخدام بهذا المعنى حتى العصر الحاضر، ولكن بدرجات متفاوتة بين بلاد المسلمين المختلفة، «التورق المنظم جزئياً من خلال النظام المصرفي» وذلك بتطوير صيغ التمويل المتاحة، كالمرابحة الشخصية والبيع بالتقسيط، وذلك عن طريق شراء سلع وبيعها بالأجل للعملاء، ثم يقوم العميل بإعادة بيعها بالنقد دون أن يكون للبنك أي دور في عملية البيع الأخيرة، فدور البنك ينتهي في عملية البيع الأولى، و«التورق المنظم كلياً من خلال النظام المصرفي» حيث تتولى البنوك جميع إجراءات العملية من شراء السلع، ثم بيعها إلى العميل بثمن آجل، ثم بيعها بالوكالة عن العميل بثمن حال وإيداع ثمنها في حساب العميل، وهو المقصود الرئيس من هذه الورقة. دلت بعض الدراسات الإحصائية على أن نحو 57% من الأفراد الذين يشترون السيارات من البنوك في المملكة يبيعونها تورقاً في سبيل الحصول على السيولة.
وقد عرّف الشيخ عبدالله المنيع ـ عضو هيئة كبار العلماء وعضو المجمع الفقهي ـ التورق اصطلاحاً بأنه: تصرف المحتاج للنقد تصرفاً يبعده عن الصيغ الربوية، ويمكنه من تغطية حاجاته النقدية، وذلك بأن يشتري سلعة قيمتها مقاربة لمقدار حاجته النقدية مع زيادة في ثمنها لقاء تأجيل دفع قيمتها، ثم يقوم ببيعها بثمن حال ليغطي بذلك الثمن حاجته القائمة، ويشرط ألا يبيعها على من اشتراها منه.
ويؤكد الدكتور سامي بن إبراهيم السويلم أن التورق مخالف لمقاصد التشريع؛ لأنه وقوع في عين الظلم الذي حرم الربا لأجله، مشيراً إلى أن التورق المنظم عن طريق المصارف مناقض لمقصود الوكالة؛ لأنه ينافي مصلحة الأصيل.
وقد شهد المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي نقاشات واسعة حول «التورق»، حيث وصف غالبية الفقهاء بان ما يتم من «التورق المنظم» هو تحايل على «الربا»، بينما أباحوا «التورق الفردي».
وكان المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي قد أصدر قرارا بجواز التورق في دورته الخامسة عشرة، ثم أصدر قراراً بعدم جوازه في دورته السابعة عشرة.
فأما التورق الذي أجازه في المرة الأولى فهو التورق الفردي غير المنظم، وصورته أن يذهب الشخص إلى البنك مثلا ليشتري بضاعة بالتقسيط مع أنه لا يريد البضاعة ولكنه يريد ثمنها، فإذا اشتراها بالتقسيط ذهب بها إلى السوق فباعها نقدا بأرخص من الثمن الذي اشتراها به ليستفيد بالثمن، واشترط المجمع حينئذ أن لا يبيع المشتري السلعة لنفس البائع الأول ولا لوكيله حتى لا يقعا في بيع العينة المحرم، ويكون الأمر مجرد صورة ربوية.
وبعد أن توسعت بعض البنوك الإسلامية والأفراد في تطبيق التورق، فأحدثوا صورة صار يطلق عليها (التورق المصرفي) أو (التورق المنظم) وهذا هو الذي حرمه المجمع في دورته السابعة عشرة، وصورة التورق المنظم هذا أن يتفق العميل مع البنك على أن يبيعه البنك سلعة مقسطة، ثم يقوم البنك نيابة عنه ببيعها له في السوق نقدا بسعر أقل، ويقوم البنك بكافة الإجراءات نيابة عن العميل(فيقوم ببيعها لنفسه على أنه وكيل للعميل، ويقوم ببيعها ثانية لغيره على أنه وكيل عن العميل) ثم يقوم البنك بإعطاء الثمن الذي باع به السلعة للعميل، ويسجل عليه ثمنا أعلى هو ثمنها مؤجلة، فيعود الأمر إلى أخذ العميل مبلغا ليرد بدلا منه مبلغا أعلى، وهذه الصورة أقرب إلى العينة إن لم تكن هي. وفي الدورة التاسعة عشرة الأخيرة عند مناقشة أعضاء المجمع «المنتج البديل عن الوديعة لأجل» عاد المجمع ليؤكد على عدم إجازة توكيل العميل المصرف في شراء سلعة محددة، وتسليم العميل للمصرف الثمن حاضراً، ثم شراء المصرف للسلعة من العميل بثمن مؤجل، وبهامش ربح يجري الاتفاق عليه، لأن هذا يدخل في مفهوم (التورق المنظم)، وهذه المعاملة مماثلة لمسألة العينة المحرمة شرعاً، من جهة كون السلعة المبيعة ليست مقصودة لذاتها، فتأخذ حكمها، خصوصاً أن المصرف يلتزم للعميل بشراء هذه السلعة منه، وأنها تنافي الهدف من التمويل الإسلامي، القائم على ربط التمويل بالنشاط الحقيقي، بما يعزز النمو والرخاء الاقتصادي.
قرار الدورة الخامسة عشرة
إن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة التي بدأت يوم السبت 11 رجب 1419 هـ الموافق 31 /10 / 1998 م قد نظر في موضوع حكم بيع التورُّق.
وبعد التداول والمناقشة، والرجوع إلى الأدلة، والقواعد الشرعية، وكلام العلماء في هذه المسألة قرر المجلس ما يأتي:
أولا: أن بيع التورُّق: هو شراء سلعة في حوزة البائع وملكه، بثمن مؤجل، ثم يبيعها المشتري بنقد لغير البائع، للحصول على النقد (الورق).
ثانياً: أن بيع التورق هذا جائز شرعاً، وبه قال جمهور العلماء، لأن الأصل في البيوع الإباحة، لقول الله تعالى «وأحل الله البيع وحرم الربا» [ البقرة: 275 ] ولم يظهر في هذا البيع رباً لا قصداً ولا صورة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك لقضاء دين، أو زواج أو غيرهما.
ثالثا: جواز هذا البيع مشروط، بأن لا يبيع المشتري السلعة بثمن أقل مما اشتراها به على بائعها الأول، لا مباشرة ولا بالواسطة، فإن فعل فقد وقعا في بيع العينة، المحرم شرعاً، لاشتماله على حيلة الربا فصار عقداً محرماً.
رابعا: إن المجلس: وهو يقرر ذلك ـ يوصي المسلمين بالعمل بما شرعه الله سبحانه لعباده من القرض الحسن من طيب أموالهم، طيبة به نفوسهم، ابتغاء مرضاة الله، لا يتبعه منّ ولا أذى وهو من أجل أنواع الإنفاق في سبيل الله تعالى، لما فيه من التعاون والتعاطف، والتراحم بين المسلمين، وتفريج كرباتهم، وسد حاجاتهم، وإنقاذهم من الإثقال بالديون، والوقوع في المعاملات المحرمة، وأن النصوص الشرعية في ثواب الإقراض الحسن، والحث عليه كثيرة لا تخفى كما يتعين على المستقرض التحلي بالوفاء، وحسن القضاء وعدم المماطلة.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه سلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين
قرار الدورة السابعة عشرة
إن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 19-23/10/1424 هـ الذي يوافقه 13-17/12/2003م، قد نظر في موضوع: (التورق كما تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر)
وبعد الاستماع إلى الأبحاث المقدمة حول الموضوع، والمناقشات التي دارت حوله، تبين للمجلس أن التورق الذي تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر هو:
قيام المصرف بعمل نمطي يتم فيه ترتيب بيع سلعة (ليست من الذهب أو الفضة) من أسواق السلع العالمية أو غيرها، على المستورق بثمن آجل، على أن يلتزم المصرف إما بشرط في العقد أو بحكم العرف والعادة بأن ينوب عنه في بيعها على مشتر آخر بثمن حاضر، وتسليم ثمنها للمستورق.
وبعد النظر والدراسة، قرر مجلس المجمع ما يلي: أولاً: عدم جواز التورق الذي سبق توصيفه في التمهيد للأمور الآتية:
1- أن التزام البائع في عقد التورق بالوكالة في بيع السلعة لمشتر آخر أو ترتيب من يشترطها يجعلها شبيهة بالعينة الممنوعة شرعاً، سواء أكان الالتزام مشروطاً صراحة أم بحكم العرف والعادة المتبعة.
2- أن هذه المعاملة تؤدي في كثير من الحالات إلى الإخلال بشروط القبض الشرعي اللازم لصحة المعاملة.
3- أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويل نقدي بزيادة لما سمي بالمستورق فيها من المصرف في معاملات البيع والشراء التي تجري منه والتي هي صورية في معظم أحوالها، هدف البنك من إجرائها أن تعود عليه بزيادة على ما قدم من تمويل.. وهذه المعاملة غير التورق الحقيقي المعروف عند الفقهاء، وقد سبق للمجمع في دورته الخامسة عشرة أن قال بجوازه بمعاملات حقيقية وشروط محددة بينها قراره.. وذلك لما بينهما من فروق عديدة فصلت القول فيها البحوث المقدمة..
فالتورق الحقيقي يقوم على شراء حقيقي لسلعة بثمن آجل تدخل في ملك المشتري ويقبضها قبضاً حقيقياً وتقع في ضمانه، ثم يقوم ببيعها هو بثمن حال لحاجته إليه، قد يتمكن من الحصول عليه وقد لا يتمكن، والفرق بين الثمنين الآجل والحال لا يدخل في ملك المصرف الذي طرأ على المعاملة لغرض تبرير الحصول على زيادة لما قدم من تمويل لهذا الشخص بمعاملات صورية في معظم أحوالها، وهذا لا يتوافر في المعاملة المبينة التي تجريها بعض المصارف.
قرار الدورة التاسعة عشرة
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من 22ـ27 شوال 1428هـ الذي يوافقه 3ـ8/نوفمبر/2007م قد نظر في موضوع: (المنتج البديل عن الوديعة لأجل)، والذي تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر تحت أسماء عديدة، منها: المرابحة العكسية، والتورق العكسي أو مقلوب التورق، والاستثمار المباشر، والاستثمار بالمرابحة، ونحوها من الأسماء المحدثة أو التي يمكن إحداثها.
والصورة الشائعة لهذا المنتج تقوم على ما يلي: توكيل العميل المصرف في شراء سلعة محددة، وتسليم العميل للمصرف الثمن حاضراً.
ثم شراء المصرف للسلعة من العميل بثمن مؤجل، وبهامش ربح يجري الاتفاق عليه.
وبعد الاستماع إلى البحوث والمناقشات المستفيضة حول هذا الموضوع، قرر المجلس عدم جواز هذه المعاملة؛ لما يلي:
أن هذه المعاملة مماثلة لمسألة العينة المحرمة شرعاً، من جهة كون السلعة المبيعة ليست مقصودة لذاتها، فتأخذ حكمها، خصوصاً أن المصرف يلتزم للعميل بشراء هذه السلعة منه. أن هذه المعاملة تدخل في مفهوم «التورق المنظم» وقد سبق للمجمع أن قرر تحريم التورق المنظم بقراره الثاني في دورته السابعة عشرة، وما علل به منع التورق المصرفي من علل يوجد في هذه المعاملة.
إن هذه المعاملة تنافي الهدف من التمويل الإسلامي، القائم على ربط التمويل بالنشاط الحقيقي، بما يعزز النمو والرخاء الاقتصادي.
والمجلس إذ يقدر جهود المصارف الإسلامية في رفع بلوى الربا عن الأمة الإسلامية، ويؤكد على أهمية التطبيق الصحيح للمعاملات المشروعة والابتعاد عن المعاملات المشبوهة أو الصورية التي تؤدي إلى الربا المحرم فإنه يوصي بما يلي: أن تحرص المصارف والمؤسسات المالية علــى تجنب الربا بكافة صوره وأشكاله؛ تأكيد دور المجامع الفقهية، والهيئات العلمية المستقلة، في ترشيد وتوجيه مسيرة المصارف الإسلامية؛ لتحقيق مقاصد وأهداف الاقتصادي الإسلامي.
إيجاد هيئة عليا في البنك المركزي في كل دولة إسلامية، مستقلة عن المصارف التجارية، تتكون من العلماء الشرعيين والخبراء الماليين؛ لتكون مرجعاً للمصارف الإسلامية، والتأكد من أعمالها وفق الشريعة الإسلامية.
«التورق» بين الاجازة والتحريم
المتحايلون على الربا
22 نوفمبر 2007 - 00:27
|
آخر تحديث 22 نوفمبر 2007 - 00:27
المتحايلون على الربا
تابع قناة عكاظ على الواتساب
مجدي الحربي (جدة)


