لا تزال قضية الرقية الشرعية تتفاعل ويستمر الأخذ والرد بين العلماء والدعاة والمرضى.. أهل العلم من جانبهم يريدون بيان الحق في أمر الرقية والتحذير من المشعوذين والدجالين.. وبيان كيفية رقية المريض بالطرق الشرعية الصحيحة، أما المرضى فهم يتعلقون بخيط العنكبوت بحثاً عن العلاج حتى أن البعض لا يسأل عن الراقي واستقامته وصحة ما يدعيه. إيقاف أكثر من 40 مدعياً للرقية قبل عدة أيام من قبل اللجنة المركزية للرقية بمنطقة المدينة المنورة فتح الباب مجدداً لمناقشة هذه القضية خاصة بعد استفحال مشاكلهم وتسببهم في وفاة ثلاثة أشخاص بإلاضافة لإصابة الكثير بأمراض مزمنة حيث وجدت اللجنة بحسب رئيسها محمد سعيد العمري أنهم مشعوذون وسحرة اتخذوا الرقية ساترا لممارسة عملهم المخالف، مشيرا إلى ان الاتجاه لأمثال هؤلاء أمر خاطئ وأن اللجنة حددت 30 راقيا على مستوى المنطقة يطبقون الاشتراطات الشرعية للرقية.
فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء قال ان الرقية الشرعية الصحيحة بالقرآن الكريم والأدعية الشرعية ليس فيها ضرب محذراً من تصرفات الجهال باستخدام الضرب والكتابة على موضع الجراح أو على القيح والصديد.
وقال فضيلته الرقية تكون بالقرآن أو بالأدعية الشرعية وسورة الفاتحة رقية والأدعية الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الرقية الشرعية والتوسّل إلى الله بأسمائه وصفاته أن يشفي هذا المرض.. هذه هي الرقية الشرعية وليس فيها ضرب.. واضاف كيف تضرب مريضاً لتزيده مرضا وألما.. هذا من الجهل.
وقال: الوارد في الرقية أنه يقرأ وينفث على المريض أو على محل الألم أما أنه يكتب على الجسم أو على الجراح فهذا غير وارد ولا يعرف وهذا من تصرفات بعض الجهال وفيه إهانة للقرآن.
علاج السحر والعين
وأكد الفوزان ان الاصابة بالسحر أو العين وغيرها من الأمراض تعالج بالأدعية القرآنية والنبوية مع التوكل على الله سبحانه وتعالى ولا بأس من ذكر الآيات التي ورد فيها ذكر السحر وبطلانه كقوله تعالى: {إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى}، {ولا يفلح الساحرون} والمعوذتان وفيها {ومن شر النفاثات في العقد} والنفاثات هن السواحر وهناك أدوية طبية يعرفها الحذاق لعلاج السحر فيرجع إليها.
مشروعية الرقية
من جانبه قال الشيخ حامد عبدالقدوس مدير ادارة القضايا والتحقيق بفرع الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة المدينة المنورة ان الرقية الشرعية أمر مشروع لكل مسلم مهما كان حظه من العلم والفهم ولا يشترط في أي راق غير إخلاص النية لله وأدائها وفق ما شرع دون زيادة أو إحداث، وهي ليست مخصوصة بطائفة معينة من الناس كما يظن البعض ولا يحسنها سواهم!!
بل لكل مسلم أن يرقي نفسه وأهله وأولاده، ولهذا يخطئ بعض الناس في زماننا هذا في اعتقادهم أنه لا يحسن الرقية إلا من نصبوا أنفسهم للرقية، فتلفى بعضهم يتتبعون الرقاة ويبحثون عنهم ويترددون على الكثير منهم فهي أمر مشروع للجميع، فمن يحفظ سورة الفاتحة والمعوذات وغيرها من السور عليه أن يرقي نفسه وأهله بها، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يرقي نفسه بنفسه. كما جاء في السنة، وهو الذي علم الأمة وسن لها الرقية ولم يخصها بأحد.
دجال لكل الف عربي
ووفقا لدراسة علمية ميدانية اجراها الباحث المصري محمد عبدالعظيم فإن نصف النساء العربيات يؤمنَّ بالسحر والخرافة. كما ان حوالى نصف مليون يمارسون انشطتهم سرا وعلانية في الدول العربية فيما ينفق العرب سنويا خمسة مليارات دولار على المشعوذين كما بينت الدراسة ان مئات الالاف من العرب يدعون علاج الامراض بتحضير الارواح والكتاب المقدس وبرأيه فان الناس لا يلجأون الى الخرافة ويتعلقون بها وبأوهامها الا بعد ان تضيق في وجوههم ابواب الامل وتحاصرهم الشدائد. كاشفا ان هناك اعدادا متزايدة من الدجالين ليصل بحسبة بسيطة الى معدل دجال لكل الف عربي.
العامل النفسي
محمود عبدالسلام «استشاري الطب النفسي» يعلق على الموضوع قائلا ان العملية برمتها نفسية بحتة يستغلها هؤلاء الدجالون في عملهم. مشيرا الى ان عدم فهم البعض للدين الصحيح فاقم من المشكلة.
التستر بالطب الشعبي
ويشير الشيخ عبدالرحمن المطيري رئيس مركز هيئة الحرة الشرقية بالمدينة المنورة «المركز المتخصص في مكافحة قضايا السحر والشعوذة» الى ان كثيراً من المشعوذين والدجالين يتسترون تحت غطاء الطب الشعبي والرقية يتظاهرون بأنهم رقاة واطباء شعبيون لايهام الناس والتلبيس عليهم وللافلات من رقابة الجهات المختصة، لذا لا ينبغي الثقة بكل من يتظاهر بممارسة الطب الشعبي او الرقية لا سيما من يعمل منهم في الخفاء وبطريقة غير نظامية.
وطالب الجهات المعنية ضرورة التكاتف والتعاون في سبيل القضاء على المشعوذين وتشديد الرقابة عليهم. واضاف المطيري بان المركز يستقبل كثيرا من الشكاوى من ضحايا السحرة والدجالين وتقوم الهيئة في هذا الشأن بالتحري عن صحة هذه المعلومات والقبض على المتورطين في الاعمال المحرمة اثناء تلبسهم بالجرم المشهود رغبة في توحيد الجهود ونظرا للتنوع في الشكاوى وكثرتها فقد تم تخصيص مركز هيئة الحرة الشرقية للقيام بمعالجة قضايا السحر والشعوذة والدجل على مستوى المدينة. وتابع انه من خلال العمل يتضح ان اغلب من يمارس هذه الاعمال هم من العمالة الوافدة. مبينا بأن هيئة المدينة تقوم بحملات للقضاء على المفسدين وكانت النتائج ايجابية فقد تم القبض على 69 شخصاً من جنسيات مختلفة في قضايا سحر وشعوذة خلال العام الماضي 1427هـ ثلاثة من هؤلاء فقط مواطنون والبقية من الوافدين المتخلفين وبالذات الافارقة ويتركزون في الاحياء الشعبية من بينها السيح والعوالي وقباء والحرة الغربية والشرقية.
أشكال الدجل
الشيخ وحيد عبدالسلام بالي يقول: اذا وجدت علامة واحدة من هذه العلامات في احد المعالجين فهو من الدجالين والمشعوذين ومن الكهان والعرافين وهذه العلامات هي: يسأل المريض عن اسمه واسم أمه، يأخذ اثرا من آثار المريض «ثوب قلنسوة منديل» احيانا يطلب حيوانا بصفات معينة ليذبح ولا يذكر اسم الله عليه، كتابة الطلاسم او تلاوة العزائم غير المفهومة، اعطاء المريض حجابا يحتوي على مربعات بداخلها حروف او ارقام، يأمر المريض بأن يعتزل الناس فترة معينة في غرفة لا تدخلها شمس ويسميها العامة الحاجبة، احيانا يطلب من المريض ان لا يمس الماء لمدة معينة، يعطي المريض اشياء يدفنها في الارض، يعطي المريض اوراقا يحرقها ويتبخر بها، احيانا يخبر المريض باسمه واسم امه وبلده ومشكلته.
ويطلب طلبات منكرة كان يقول لا تمس المصحف، او لا تقرأ القرآن، او لا تصل، او استمع الى الموسيقى.
ومن صور وأشكال الدجل والشعوذة: الزار، تحضير الارواح، التنويم المغناطيسي، ضرب الودع، فتح الكتاب، قراءة الكف والفنجال وفتح الكوتشينة .
الضحايا
مروان منصور كان يتحدث بألم واضح وهو يقول: زوجتي منذ فترة ليست قصيرة تشعر بآلام متفرقة وارق في ساعات نومها واحلام وكوابيس مخيفة حول اشخاص من اقاربها ماتوا منذ فترات متباعدة.. الاطباء في المستشفيات لم يكن لديهم الا الحبوب المهدئة واخيرا الطبيب النفسي الذي لم تقبل زوجتي علاجه وعليه فقد عملنا بنصيحة احد زملائي في العمل وذهبت الى مكان يقطنه احد (المشعوذين) ويطلق على بيته (عيادة) بينما هو نفسه للوهلة الاولى تكتشف انه في حاجة للذهاب الى عيادة للعلاج من حالته الكئيبة.. طلب (المشعوذ) منا بداية ان ندفع ثمن الكشف المبدئي وهو 1500 ريال ثم قرر بعد دقائق قليلة ان زوجتي تحتاج الى جلسات علاج طويلة لتخليصها من تدبير محكم لسحر مشترك مع مارد من الجان وتوالت الجلسات حتى جاءت الجلسة الموعودة وهي جلسة فك السحر وعندئذ طلب الدجال مبلغ 3500 ريال ثمنا لتلك الجلسة ودفعناها وبدأت طقوسه الغريبة حيث تصاعدت الضحكات الهستيرية المفزعة من الدجال وبدا وكانه يمتثل لاوامر غامضة يصدرها اليه القرين الذي لم نره ليخرج من تحت (طاقيته) اوراقا طويلة مترابطة ويواصل الضحكات المخيفة ويخرج من فمه شعرات ويلفها في الاوراق ويستخرج من قارورة يضعها امامه اعواد ثقاب ملونة ويجمع كل تلك الاشياء الغريبة ويقول لنا انها هي التي سوف تبطل السحر ويجب علينا ان ندفنها امام عتبة البيت دون ان نخبر احدا بذلك والا سيفسد مفعولها.. ومرت الايام والشهور ولم تتحسن حالة زوجتي بل زادت سوءا فقد اضيفت الى قائمة احلامها المخيفة تلك التفاصيل المفزعة التي عاشتها في وكر الدجال الكئيب..
الشيخ المزعوم
(م. س) يبلغ من العمر 45 عاما له حكاية اخرى مع الشعوذة فهو يقول: مرت عدة اعوام على زواجي ولم تحمل زوجتي وبعد ان ترددت على العيادات والمستشفيات تبين من الفحوص والاشعات الطبية انني مصاب بعقم يحتاج الى علاج طويل ومكلف وفي محاولة يائسة للعلاج قلت لنفسي انني لن اخسر شيئا لو قمت بتجربة علاج احد المشعوذين خاصة بعد ان ذاع صيته في قدرته على العلاج بالرقية الشرعية...ادعى احد اتباعه ان لديه القدرة على حل مشكلتي دون اللجوء الى عمليات جراحية او ادوية وفحوص.. وزادت دهشتي في اول جلسة عندما وجدت الرجل الذي يسبق اسمه لقب الشيخ كما يناديه معارفه بالظهور علينا في جلسة جماعية انا والعديد من الضحايا وبطريقة فوضوية اصدر أوامره بصوت صاخب وهو يشير الى صندوق التبرعات بغرفة القراءة (اصدقوا النية بالتبرعات وكلما زادت المبالغ النقدية التي تضعونها كان العلاج سريعا والشفاء نهائيا) وتكررت الاوامر بدفع التبرعات في كل الجلسات التي استمرت 3 اشهر بواقع جلستين اسبوعيا وحالتي لم تتحسن بل زادت سوءا بعد ان تبددت آمالي في العلاج .
قوة الايحاء
الدكتور عادل امين استشاري الأمراض النفسية اكد انه ليس من المستغرب ان نسمع ان احد هؤلاء المعالجين بالتعاويذ والتمائم والاحجبة قد نجح في علاج احد المرضى في بعض الحالات المرضية المعينة او نجح في ازالة الاعراض بشكل مؤقت وذلك عادة مايكون لاعتقاد المريض وثقته الكاملة بان الشفاء سيكون على يدي الرجل المبروك كما يوحي له.. اضافة الى مدى تأثير تلك الشخصية على نفسية المريض وهذا مايسمى في علم النفس بالايحاء وقد ابتكر المعالجون الشعبيون ومنهم الدجالون اساليب عديدة لكل حالة مرضية تختلف كلية عن الاخرى.. وامامي حالة لطفلة صغيرة تم تشويهها تماما بما يسمى الطب الشعبي او الكي حيث تم كيها باداة معدنية بعد وضعها في النار ثم دسها في اطرافها ورأسها ولم تفلح هذه الطريقة في علاجها الذي لم يتطلب منا سوى استخدام بعض الادوية لتخليص الطفلة من الاضطراب النفسي الذي كانت تعاني منه.. ويضيف الدكتور شريف محمود ان هؤلاء المعالجين والمشعوذين هم انفسهم في حاجة الى علاج نفسي واجتماعي من مرض متأصل في داخلهم وهو اعتمادهم في حياتهم على ابتزاز اصحاب المعاناة وخداعهم.
الغالبية نساء
الاخصائي الاجتماعي حامد الحربي يقول: ان ظاهرة اللجوء الى الدجالين والمشعوذين والاعتقاد في السحر تفشت في الآونة الاخيرة بشكل يدعو للقلق ولعل النسبة الغالبة من ضحايا هؤلاء المخادعين من النساء ولذلك فان هناك دورا حيويا للتوعية بأساليب هؤلاء الدجالين والتعريف بأساليبهم وحيلهم والدعوة لارتياد المستشفيات والمراكز الطبية المتوافرة مجانا لكل الحالات المرضية سواء عضوية او غير عضوية.
دخلاء
واوضح الشيخ صالح ذياب امين اللجنة الوطنية للرقية الشرعية بالمدينة المنورة ان المشكلة تكمن في الدخلاء على هذه الخدمة التي تقدم لعموم المسلمين ونحن نقوم بمتابعة الرقاة ولدينا لجان مشكلة مسبقة للبحث والتحقيق عمن يقومون بالرقية الشرعية ومدى المصداقية التي يتمتعون بها وقد سبق ان تم ايقاف عدد من الاشخاص الذين امتهنوا هذه المهنة من الدخلاء.