خلق الله هذا الكون العظيم مُغلّفاً بكثير من الغموض، فبدا للناس وكأنهم يعيشون في وسط مجموعة من الألغاز المحيرة التي لا يعرفون لها حلاً ولا يُدركون سرها وما تكنه في طياتها.
قد يتقدم الإنسان في المعرفة فيعتريه الغرور ويظن أنه استطاع أن يكتشف أسرار الحياة، لكنه في حقيقة الأمر، لم يتقدم خطوة واحدة نحو هتك ستر تلك الخفايا الغامضة عنه، وكل ما أمكنه هو معرفة الظاهر منها فحسب، أما الباطن فما زال لا قدرة له عليه.
استطاع الإنسان أن يكتشف الكهرباء والجاذبية والذرة والخلية، ولكن هل استطاع أن يعرف كنهها؟ إن معرفته لها لم تتجاوز الصفات الظاهرة وما يرتبط بها من خصائص، أما حقيقتها الكامنة فمازال بينه وبين الوصول إليها أمد بعيد. وهذا الغموض ليس في عالم العلوم والمواد المحسوسة وحدها بل هو يظهر أعظم وأشد في عالم المعاني التي يحير الناس إدراكها وفهمها، فالإنسان إلى اليوم مازال يقف حائراً أمام فهم معاني مثل الحب والجمال والشجاعة إلخ.
وهذا الغموض الذي يكتنف المعاني في هذه الحياة يُمثل مادة دسمة ولذيذة للفلاسفة الذين يحلو لهم الانغماس في التأمل فيها والبحث عن حقيقة ينسبونها إليها، وربما ظن بعضهم أنه وصل بتأمله إلى تعريف صالح لمعنى من المعاني، لكنه في واقع الأمر هو لم يتجاوز التكهنات والظنون، أما الحق اليقين فلا وصول إليه.
وإذا كان عقل الإنسان يستطيع اختراق الماديات ليكتشف ظاهرها ويُخضعها لإرادته ويوظفها لمنفعته، فإنه إلى الآن لم يثبت أن العقل قادر على الوصول إلى جوهر تلك الأشياء، ويبقى العقل يُجاهد ليعايش التحدي المضروب حوله.
هكذا أراد الله للحياة أن تكون. غموض باسط ذراعيه في كل مكان، وعقل قاصر كلما ظن أنه تقدم في ميدان المعرفة اكتشف أنه مازال يحبو.

ص.ب 86621 الرياض 11622 فاكس 4555382