هذا السؤال غير اللائق سأله ذات يوم -حسب ما تقول حكاية شعبية قديمة- أحد الناس، بعد أن رأى حشرة من نوع الخنافس تصول وتجول فوق أرض رطبة باحثة عن طعامها ومأواها حذرة من أن تدوسها أقدام عابرة، حيث نظر بسخرية واحتقار إلى الخنفسانة وطرح السؤال الوارد ذكره في العنوان!
ولما كان خالق الكون يعلم ما في الضمائر والأفئدة ولا يخفى عليه من شيء في الأرض ولا في السماء، فقد قدر عز وجل على عبده صاحب السؤال الساخر من ذلك المخلوق الضعيف، الاصابة بمرض جلدي خطير أمسكه من أطراف أصابع قدميه على هيئة قروح حادة مؤلمة لم تنفع معها كل الأدوية العشبية والطبية التي كانت متوفرة في ذلك العهد من مراهم وزيوت وبذور وأوراق وأعشاب. فلما يئس الرجل من الشفاء ورأى أن آلامه تزداد وقروحه تتسع حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، أخذ يسأل عن «حكيم» سمع عنه وانه رجل صالح يعيش متعبدا لله فوق جبل أحدب الظهر وعر المسالك، فقرر السفر إليه والصعود إلى محرابه مهما كان الثمن والمشاق، فلما فعل ذلك وتمكن من الوصول إلى الحكيم بعد جهد جهيد وجده في محرابه وحوله تسير آمنة العديد من الحشرات ومنها الخنافس السوداء فتشاءم وقال في نفسه: «الخنافس وراءنا.. وراءنا»! ثم سلم على الحكيم فرد عليه التحية بأحسن منها وقدم له شيئاً من عسل كان ينحدر من خلية اقامتها النحل في أحد أكنان الجبل الأحدب، ثم سأله عن حاجته فأراه الرجل ما أصابه من قروح غائرة لم يجد لها دواءً شافياً ولا علاجاً ناجحاً فتأمل الرجل القروح برهة ثم قال له: عليك بالخنافس.. خذ احداها وانزع رأسها تجد تحت الرأس مادة بيضاء اللون.. ضع من تلك المادة على قروحك فتزول بإذن الله!
وهنا بدأت علائم التعجب على وجه الرجل «المقروح» وتساءل باستغراب: الخنفسانة يا مولانا؟ نعم الخنفسانة فلا دواء لك غير الخنافس؟!
وهنا تذكر الرجل ما سبق ان قاله ذات يوم مُحقراً تلك الحشرة الصغيرة متعدياً بسؤاله ما يتطلبه الايمان والحكمة من عدم القول باحتقار أو سخرية من أي مخلوق من مخلوقات الله، ولم يجد بُداً من اتباع نصيحة ذلك الحكيم حتى أكمل الله له الشفاء مما به من قروح!
وهذه الحكاية سواء صحت أو لم تصح فإن العبرة النافعة منها حاصلة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أما الغافلون العتاة فإن الواحد منهم إذا ما قيل له اتقِ الله أخذته العزة بالإثم ولو نظرت حولك فإنك تجد العديد من هؤلاء ومن هؤلاء، أسأل الله لنا ولكم العافية وحُسن العاقبة!