[1]
لكي تكون الحياة الثقافية والفكرية أكثر فهماً وأكثر وضوحاً لا بد من أن يكون هناك وعي بالمفاهيم والمصطلحات واحترام حقيقي للمعرفة في سياقها العام.. من أجل خلق قيمة عليا لهذه المعرفة.. ذلك أن هذه المعرفة لا ينبغي أن تتحول إلى قيمة.. ما لم تكن هناك رغبة.. في جعلها كذلك، أمَّا التعامل مع المفاهيم والمصطلحات يعني ان غياب القيمة هو تعبير عن غياب القيم وناتج عن سائد اجتماعي وثقافي.. لا تشكل الثقافة إلا ذلك الهامش في حياتنا وليس المتن من حياتنا.
أقول هذا.. بعد ان أثارت حلقة المسلسل الكوميدي الشهير «طاش ما طاش» والمعنونة بـ«ليبراليون.. ولكن» حواراً طويلاً بين فئات المجتمع على مختلف توجهاتها واتجاهاتها وعلى مستوى النخب الثقافية والادبية والفكرية.. نظراً لجرأة الطرح وأهمية الفكرة والقضايا الكبيرة التي حملها الحوار..
وهذا الضجيج من الأفكار و«المدارس» والمناهج الفلسفية والفكرية التي قدمت هكذا.. باختصار شديد وباختزال مخل وكأن المسألة في جلّها هي تقديم خلطة من تلك الأفكار والمدارس والمناهج بدءاً من الماركسية والوجودية وانتهاءً بالحداثة وما بعد الحداثة مع تقديم قائمة بأسماء لامعة وكبيرة من المفكرين والفلاسفة.. بدءاً من ماركس ونيتشه وسارتر مرورا بمحمد عابد الجابري وعبدالله القصيمي وانتهاء بادونيس.
[2]
حلقة ليبراليون «الساخطة والصاخبة» عبر بطليها النجمين عبدالله السدحان وناصر القصبي والممثل الرائع محمد الطويان.. تُخرج مرة أخرى هذا الصراع الخفي والمعلن بين التيارين الليبرالي والمحافظ وبين قوى الانفتاح وقوى الممانعة.. بين من يرى بأهمية وجود التعددية وبمفهومها العميق والشامل على المستويين السياسي والاجتماعي والمذهبي والدخول في فضاء الفكر الحر وصياغة مجتمع جديد قائم في فكره وممارسته على قيم الحداثة والعصرنة..
وبين من يرى بضرورة الحفاظ على الثوابت الدينية و«المنصوص عليها» وعدم خرق الثقافة التقليدية السائدة ومن ثم اختراق هذا الموروث الاجتماعي والذي تحول الى سلطة على الاذهان.. ومن هنا فإن المطلوب هو اضاءة المفاهيم والمصطلحات -كما كتبت هنا أكثر من مرة من قبل أصحاب الفكر في بلادنا- من اكاديميين وكتّاب رأي واقامة حوارات في المؤسسات العلمية والثقافية في الجامعات والأندية الأدبية حتى يعرف الناس ماذا تعني الليبرالية والعلمانية والحداثة.. وغيرها من المفاهيم والمصطلحات وحتى نزيل هذا الالتباس المغروس في عقول الكثيرين وسوء الفهم عند الغالبية من فئات المجتمع التي يتم تقديم هذه المفاهيم والمصطلحات لها بصورة مشوهة ومغلوطة وغير دقيقة.. بل دون الوعي بها والالمام بالسياق التاريخي والاجتماعي التي ظهرت فيه مع الايمان بأن المجتمع السعودي اليوم هو أكثر اتجاهاً نحو الانفتاح وان قيم الحداثة نراها ممثلة في الحياة بمظاهرها المختلفة وفي استخدام كل ما انتجه الغرب وفي الكتابة والابداع، لكن تظل هناك مراوحة بين خطاب الانفتاح وخطاب الانغلاق بين مجتمع يحاول ان يكون حديثاً أكثر مما يجب وتقليديا أكثر مما ينبغي أيضاً.
[3]
كأنما جاءت هذه الحلقة من «طاش» لتعمل على ايجاد حالة من التوازن بالنقد للتيار المحافظ أكثر من مرة وبين نقد كان ينبغي ان يطال من يسمون بأصحاب التيار الليبرالي تجاوزاً بالرغم من ان بعض من هذا التناول كان صحيحاً وحقيقياً في مجمله.
بقي أن أقول ان هذا السجال الفكري والثقافي مطلوب وصحي ودليل على عافية اجتماعية ولكن ينبغي ان يكون عبر حوار رفيع وحضاري مع ايماني المطلق بعدم وجود تيار ليبرالي سعودي.. ولكن هناك ليبراليون سعوديون وليست هناك ليبرالية سعودية ذلك ان غالبية الادباء والمثقفين لا يعرفون معنى الليبرالية وغيرها من المصطلحات والمفاهيم -ما بالك بالعامة والبسطاء من الناس- اضافة الى ان الليبرالية العربية برمتها هي ليبرالية «نخبة» منعزلة ومتعالية وهي بالتالي متراجعة ومهزومة أيضاً في ظل صعود تيارات اسلامية أكثر حضوراً وفعالية وأكثر تنظيماً وفعلاً فعن أي ليبرالية سعودية نتحدث.
a_faqehi@hotmail.com
«طاش ما طاش» .. والليبرالية المهزومة
3 أكتوبر 2007 - 21:42
|
آخر تحديث 3 أكتوبر 2007 - 21:42
تابع قناة عكاظ على الواتساب