قبل وفاته في 23/12/1427 (14/1/2007) بنحو ست سنوات كان فناننا الشعبي الكبير سلامة العبدالله اعلن اعتزاله الحياة الفنية بشكل نهائي الأمر الذي حرم الكثير من محبي الاصوات الجميلة في اداء الفن الشعبي صوته الذي كان واحداً من الامناء والاوصياء على التراث الغنائي الشعبي في المملكة رغم ان البعض كان يصفه بصاحب الاغنية الواحدة وربما كان ذلك لذيوع اغنيته الشهيرة (يا على صحت بالصوت الرفيع) على حساب عشرات او مئات الاغنيات التي قدمها سلامة في مشواره الفني الطويل. وفي هذا الظلم التصنيفي له كان قد تساوي مع من ظلم قبله مثل عبدالعزيز الراشد الذي قيل انه مطرب الاغنية الواحدة (انا انتظرك عجل لا تأخر) وحمدي سعد (من فارق الخلان) وعبدالعزيز الحسين (خلك مع اللي انت وياه عشيري) وعودة سعيد (انا اشهد أن البدو حلوين .. حلوين) ومن اسرى الاغنية الواحدة فنانا الكبير سالم بن حويل استاذ سلامة العبدالله ومقدمه للساحة لأول مرة (الفيت بن عمار) وهي نجدية شعبية وفهد بن سعد الذي اشتهر بـ(خلاص من حبكم) وغيرهم الكثير ..
ولد سلامة بن عبدالله بن سلامة الشمري في حائل 1364 نشأ يتيماً وعاش طفولته في كنف عمته عرف عنه عصاميته في الحياة وفي الفن اذ اتجه الى مكة المكرمة صغيراً ودرس في الحرم المكي الشريف وحفظ القرآن الكريم ثم انتقل الى جدة والتحق بمدارسها وحصل على الابتدائية وهو في سن الثالثة عشرة ولظروفه العائلية صعبة المعيشة لم يكمل دراسته واتجه للعمل مبكراً فكان من العاملين لدى شركة بن لادن في فتح طريق الهدا وذلك لمدة خمس سنوات.
أبناؤه ... وزيجاته
لسلامة العبدالله ثلاثة ابناء عبدالله وايمان وعبدالرحمن اكبرهم عبدالله وله ابنة واحدة (نوف) ثم ايمان ثم عبدالرحمن ويقول عبدالرحمن لـ «عكـاظ»:
الوالد رحمه الله تزوج ثلاث زيجات والدتنا هي الاولى رحمها الله والتي اعلن اعتزاله الفن عقب وفاتها (قبل ان يرحل هو رحمه الله) بنحو ست سنوات الى جانب انه تزوج في حياة الوالدة ثم طلق وتزوج ايضاً بعد وفاتها لكنه طلق ايضاً قبل وفاته. ومن خصائصه الاسرية انه لم يكن يوافق على احترافنا الفن ودخول عوالمه فبعد محاولات محدودة لم يوفق فيها اخي الاكبر عبدالله كان والدنا قد رفض الخطوة وبالنسبة لي دخلت هذا المجال بشكل خاص وشعبي على مستوى الجلسات الفنية واتعامل هناك مع السامريات وغيرها من الوان الموروث الغنائي الا انه رفض وبالتالي ان اواصل في عالم الفن فتوقفت وعن حالة والده الصحية قال بدأت الحالة المرضية لدى والدي بعد رحيل الوالدة بنحو عام حيث اصيب بجلطة الدماغ دخل فيها العناية المركزة لعام ونصف العام وشفاه الله بعدها ... ثم وبصورة استثنائية كانت له بعض الانشطة الفنية المحدودة حيث شارك في مهرجان الاغنية بالدوحة حيث تم تكريمه بعد إقامة ليلة سعودية تراثية هناك .. واضاف: كان رحمه الله محبباً للاهل والجيران وعلى علاقة جميلة مع الكل يسأل عن الكل ويعيش مع الصغير والكبير بروح ملؤها الود والحب .. لقد تعلم كثيراً من اليتم الذي عاشه صغيراً ومنه اعتماده على نفسه في كل شيء ..
في عالم الفن ... صغيراً
كانت بداية الراحل سلامة العبدالله رحمه الله مع الفن في الخامسة عشرة من عمره عندما تعلم على آلة السمسمية الى جانب تعامله مع آلة العود التي اجاد العزف عليها ايضاً الى ان تفرغ للفن والغناء عند بلوغه الثامنة عشرة فقدم تسع اسطوانات كان اشهرها (يا بو العيون الكحيلة) و (اسهر الليل) و (هل دمعي) و (ارسلت لك يا عزوتي) وتعامل مع كثير من الشعراء حيث كون مع صديقه الشاعر راشد بن جعيثن ثنائيا اكثر من ناجح ومع الشاعر الكبير خلف بن هذال العتيبي كان هناك تعاون كبير بين العامين 1382 - 1384 وكان ابرز نتائجه اغنية (رماني رمية الغدر)..
تطوير موسيقى الغناء الشعبي
ويقول الناقد الزميل يحيي مفرح زريقان الذي جمعته صداقة وطيدة مع الراحل الفنان سلامة العبدالله: كان ر حمه الله اول فنان شعبي يحدث الاغنية الشعبية ويقوم بتطويرها موسيقياً من حيث ذوق وطعم وكنه الغناء ومن حيث الآلات المستخدمة فحررها من كونها حبيسة العود والايقاع فقط وقدمها كتخت شرقي ثم في (الاوركسترا) والتوزيع الموسيقي مع عدد من كبار الموسيقيين المصريين المجايلين له والذين قاموا بـ«تنويت» وتوزيع هذه الاعمال الشعبية مثل المصري ابراهيم الراديو ثم انه من كان قد حول هذه الاغنيات الشعبية ذات المذهب الواحد الى «مكبلهة» واستمر فيها رغم معارضة بعض المهتمين بالفن الشعبي لكنه واصل تطويرها وتخصص في ذلك وكان اول الاعمال الشعبية التي نفذها. اوركسترا اغنيات (شكوى) و (عليكم سلام الله) و (انتظر يا صاحبي) في استوديوهات في بيروت العام 1965...
اشهر اغنياته
كثيرة هي اغنياته التي ذاع صيتها واشتهرت لكن تظل اغنيات (يا علي) و (سري باح) و (تولعتك بالله) و (يا هوى البال روحي) و (يا بو العيون الكحيلة) و (آه من عين ما تنام) الاشهر خصوصاً انه يؤديها بصوت فيه مسحة وشجن كبير نبعت بلا شك من معاناته وظروف حياته الصعبة ..
وله من الاغنيات الوطنية الكثير مثل (شباب الوطن) و (عروس الشمال)و (ابو فيصل) و (نجوم الملاعب) و (الله اكبر) و (ديار السفر) و (ربوع القصيم) و (شوف السعودية) الى جانب مشاركته الأبرز في مهرجان الجنادرية وتحديداً في اوبريت (دولة ورجال) عام 1415هـ خصوصاً انه كان عضو اللجنة المشرفة على اعداد الموسوعة الصوتية للتراث السعودي 1426هـ.
مع زملائه الملحنين
شدا سلامة العبدالله بألحان الكثير من زملائه الملحنين في المملكة والكويت وغيرهما منهم الموسيقار محمد شفيق الذي لحن له عملين من اشعار سعد الخريجي هي: (تخير من تبي) ويا (رسول البشاير) كما لحن له كل من سراج عمر وطلال باغر والدكتور الموسيقار عبدالرب ادريس ومن الكويت ابراهيم الصولة غنى للشعراء يوسف ناصر وعبدالله الجارالله وغيرهم كما انه عاش مرحلة فنية مزدهرة شهدت منافسة حادة ابطالها كبار الفنانين الشعبيين مثل حجاب عبدالله وبشير شنان وسالم الحويل وناصر الحيان وسعد ابراهيم ومسفر القثامي وعيسى وطاهر الاحسائي وعودة سعيد وفلاح البوري.
تكريم وتشريف
منحه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز (رحمه الله) في العام 1405 /1985 وسام وميدالية الاستحقاق من الدرجة الثانية الى جانب عدد من كبار الفنانين والمبدعين في مجالات الثقافة والادب والفنون الامر الذي ثمن جهد وموهبة هذا الفنان الكبير المرتبط بالغناء للوجدان وللارض في نفس الوقت ومن اجمل ما كتب عن فناننا الراحل كان ما كتبه رفيقه الحائلي فارس الهمزاني:
سلامة العبدالله فنان شدا بصوته الجميل الخارج من بين جبلي آجاء وسلمى ليمتد الى الخليج والقاهرة ولندن، فنان امضى 40 عاما في خدمة الفن والتراث فرغ نفسه للفن وخدمة الفولكلور الشعبي ولكن بعد هذه لانجازات العظيمة قوبل بالصد والتخاذل من قبل وسائل الاعلام ومشرفي الحفلات الفنية والمحلية لنجده يحلق في سماء الابداع في قطر عبر حفلات استقطبت العديد من الجماهير قبل عامين وشاهد الجميع دموع سلامة العبدالله عندما شاهد الحشد الكبير من الجماهير، معتقداً ان زمنه انتهى، ليكتشف ان جمهوره لايزال يطلب منه الجديد وفي هذا العام تجدد الحب والولاء للفنان سلامة العبدالله في جلسة ممزوجة بالجديد والقديم متحدثاً عن سيرته الفنية امام قطاع من الجمر الحامي.
كانت بداياته الفنية في الثمانينيات الهجرية، حيث غنى في تلك الفترة للعديد من الشعراء منهم محمد الدوسري، احمد الناصر الشايع، وخلف بن هذال العتيبي، ومع هذا لا يخفي شاعريته فقد كتب الشعر في مواقف خاصة جدا عام 1387هـ ومن اشهر قصائده «مل عين جزت والنوم ما جاه» و «يا مسافرين الكويت» ويا لطيف الروح روحي في خطر» وايضا قصيدة «الا يا قمري يا غدار».
واستمر سلامة العبدالله على لونه الشعبي الاصيل حتى في مظهره الخارجي فالعقال المائل هي الصفة السائدة لاهالي حائل لم تبدلها الايام خلال اربعين عاما، ولم يجار التيار الغنائي الجديد واعلنها صراحة بقوله: سيظل سلامة محافظا على خطه يبحث دائما عن الكلمة التي ترقص مشاعر مستمعيه، وليس الايقاعات التي ترقص جسده! توقف سلامة العبدالله عن الفن فلم تبادر اية جهة لإعادة الفنان بمطالبته بالجديد، ليجد الدعوة تأتيه من قطر،لتعود بسلامةالعبدالله من جديد فالمتتبع لحفلات سلامة خلال عقدين من الزمن يجد ان هناك تجاهلا واضحا وفاضحا فلم يدع في حفلات الا لمهرجان الجنادرية مرة واحدة وفي اوبريت خليج الكبرياء ضمن 30 فنانا، وابريت سلطان الخير وماذا بعد؟ لقدسجل سلامة العبد الله اكثر من 15اغنية لمكتبة التلفزيون، ولكن لم تعرض اية اغنية منذ سنوات؟
بعد رحلة المعاناة التي ساقها لنا الفنان سلامة العبدالله خلال الاربعين عاما فقد عملنا جاهدين على اجهاض الابداع المحلي، وقمنا بتثبيت المسمار الاخير في نعش الموت، وجعلناه، يحتضر بطريقة مؤلمة، لا تتوافق مع مسيرته الذهبية، ما فعلنا مع مبدعين اخرين انتظرناهم حتى النفس الاخير، وبعد ان رحلوا اقمنا لهم حفلات التكريم.
النهاية
وخلال مشاركة فنان العرب محمد عبده في مهرجان الدوحة للاغنية الأخير العام الماضي ووجودنا هناك لتغطية المهرجان (ذي الحجة 1427هـ) رحل عن دنيانا فناننا الكبير سلامة العبدالله ومن هناك اتصل محمد عبده بأبنائه واسرة الراحل معزيا في رفيق درب ومشوار الفن الطويل الممتد الى نحو اربعين عاما.. رحم الله سلامة العبدالله.
أربعون عاماً في خدمة الفن والتراث
سلامة العبدالله.. سيد المغنى الشعبي الأصيل
29 سبتمبر 2007 - 22:28
|
آخر تحديث 29 سبتمبر 2007 - 22:28
تابع قناة عكاظ على الواتساب
علي فقندش (جدة)