عندما تدلف إلى أحد المراكز التجارية الفارهة وتصادف أفواجا من الناس التي تشتري مالا تريد وتهمل ما تحتاج .. تشعر بالغبطة المتناهية ويساورك يقين بأننا من أغنى شعوب الأرض! وعندما تلج (حراج الخردة) من بوابة الفاقة والفقر وتنصهر في أصوات الكادحين و "المعترين" في الأرض تظن أنك غارق حتى أذنيك في مجتمع يشكو العوز والحاجة .. وتُفسر هذه الازدواجية على أنها طبيعة الحياة تناقض وتجانس! وفي حراج الخردة يطيب لي أن أتسكع كل جمعة أجد فيها مزاجي يميل نحو صفاءٍ طارئ.. نظرا لأن هذا المكان ما يزال يحتفظ بوجع البسطاء، ونبض الأشياء الشعبية الحميمة ، وتفاصيل من المفارقات الكلامية، والفعاليات الشوارعية ،والأهازيج الرائعة.
هناك حيث تتقاطع النظرات بالكلمات.. وتختلط الحاجات بالأمزجة، تتزاحم الأكتاف والمناكب .. دونما نظام يؤطر هذا التموّج الشعبي البهيج..
وفي قمة هذا التماهي الاجتماعي/ الاقتصادي العجيبب..
كنت أتمتم بغنائية رخوة للمجنون فـناً (زياد بن أمه الرحباني) :
" الله يساعد الله يعين..
شرّايه ع البياعين ..
إذا كل الناس شرّايه ..
بس مش كلن بياعين ! "
وتصاعدت من قلبي رائحة دعاء ندي : الله يساعد الشرايه والبياعين !
وقتما فرغت من دعائي كانت قدماي قد تسمّرت أمام رجل خمسيني الملامح .. يبيع (أشرطة أغاني) طوفان من المطربين والمطربات .. المغنين والغانيات !
كان هذا الرجل يصرخ بملء وجعه.. المجلود بنار الغربة والزمن :
" ألحق يباولد طلال فيروز عبدالحليم أبو بكر بنص ريال ! "
امتلأت عصافير وغيما..
تقرفصت أمام (كراتين) هذا الرجل وبدأت أقلب محتوياته الفوضوية، باحثا عن أغنيات شفافة، شكّلت الذائقة الجميلة ذات زمن ٍ ما .. ثم توارت بكل لوعتها وروعتها في غبار الزمن المتصاعد من هذه الكراتين !
- جلسة خاصة للساحر الندي فوزي محسون ..
- منوعات للراحل الشجي طلال مداح ..
- أغان وأمان لعاشق ٍ كان يتلصّص على قلوبنا يدعى عبدالحليم حافظ !
- شعبيات لعبدالله بالخير وروائع لنجاة العظيمة ..
- وسبع عشرة غيمة لسيدة الذوق العربي (فيروز) في سماء واحدة !
وكل شريط بنصف ريال !
تنهّدت بحرقة: يااااااااااااابلاش أهكذا أضحت قيمة الفن الحقيقي؟
حينها تذكّرت جشع شركات الإنتاج والموزعين الذي لا يقل تماما عن غباء المراهقين الذين يتراكضون كالفئران إلى الاستريوهات الغنائية ليبتاعوا أتفه الأغاني بأغلى الأسعار !
وقبل أن أقوم من أمام هذا الرجل الكادح .. وجدت شريطا (نسخة أصلية) كما يزعمون لمحمد عبده .. رمقني صاحب البيعة بنظرة مريبة وقال: "هذه سعره غير .. محمد عبده بريالين! "
فتأكدت أن بطاقة محمد عبده الجمركية مرتفعة حتى في حراج الخردة !!
عزمت على الخروج من هذا المكان وأنا فرح .. كطفل ٍ في يوم عيد.. (عشرة أشرطة بخمسة ريالات) !
غادرت مكتظاً بأصوات البسطاء ، وزهو اللقمة النظيفة المعجونة بعرق المواطنين الغارقين في مواجعهم.. ومكابداتهم اليومية !
استقللت سيارتي وهي تهمي بي نحو طريق ٍ غائم .. كان (أبو بكر سالم) يصدح .. بل (يلعلع) بصوته الشاهق :
" يامسافر على الطائف طريق الهدا ..
ذاك شوقي من البارح ترى ماهدا .. "
حينها فقط :
أدركت بأن هذا الصوت الحضرمي الجميل سوف يوصلني إلى (حضن الأحبة) دونما عناء .. ويكفي !
New91@hotmail.com
في زمن الفن الهابط .. محمد عبده بـ«ريالين» !
20 سبتمبر 2007 - 22:11
|
آخر تحديث 20 سبتمبر 2007 - 22:11
تابع قناة عكاظ على الواتساب
خالد قمّاش