في مدينة مكتظة بالبشر كما تعز.. تبدو الحياة الشعبية فيها -عموماً- أكثر قدرة على البقاء.
مطاعم البيتزاهُت، لم تفلح في منافستها لمطاعم عصيد (المطوع) مثلا.
الاسباب منطقية في الغالب: القدرة الشرائية لدى معظم الناس هناك غدت موجوعة.كما مستوى البطالة عالِ,مع أن الصناعة فيها روّضت(طاهش الحوبان)!
الحياة الشعبية في تعز، اكثر قدرة على الصمود.. فهذا (علي مَدرة ) لا يزال يوقد النار تحت جرار الفول وأواني (المدر) الطينية في زاوية من (الباب الكبير) في قلب المدينة القديمة. كما لا يزال (غالب مَخَسوْه) كعادته في حي (الجحملية) الشعبي، يصب فناجين الشاي والبُن لرجالٍ شاخوا وهم يتراشفون من نفس الفناجين، ويتحدثون يومياً –بعد الفجر- عن فلسطين، وعن الزيادة في المرتبات، وعن التقاعد، وغلاء الأسعار؟!
بائعات الفطير في (باب موسى) ايضاً..هُن هُن مرابطات بنفس الملابس ونفس أغطية الوجوه السوداء والشفافة، لاشيء استجد غير التعب البادي في الوجوه وكذا حجم المساحة السمراء في الابتسامة (التعزية).
يا الله: حتى ماء الشرب تعاضد ضد ابتسامة الناس هناك!
وحده سوق (الشنيني)- حيث تباع احتياجات المطبخ الشعبي والبهارات، والجبن البلدي المملح- رائحته لم تزل نفس الرائحة القرنفلية. لكن (عطير).. بائع البطاط الاشهر مات!
حسناً.. يمكن الاسترخاء في جبل صبر الان. الطريق التى شقت فيه (كما كتبت هنا مرة سابقة) حولته الى مدينة في وعاء لم يفقد نكهته الريفية بعد. غير ان الجبل لم يعد مثلما كان يصدر للمدينة الخوخ والبلس والقات والجمال معاً.
النساء الصبريات القادمات من الجبل الى اسواق المدينة كن ينزلن حاملات سلالا غير مكترثات لأحد من (عيال السوق) واثقات ايضاً من ان نظرات المبتاعين (عيونهم الطويلة) لم تكن اكثر من نزق عادي تنتهي بمجرد ان تزمجر احداهن في وجههِ: (عيب عليك يا اخي.. كل واحد معه عار).
على أية حال.. مهما لمحت عيناك فيللاً وقصوراً من رخام فيها، فان (تعز) بروحها القديمة، والمدنية، وابتهالات أحمد بن علوان, وسوق (العُرضي) وباب الكبير، وعقبة (مُفَِرح) وشوارعها الضيقة، تظل تعز الشعبية.. وتحتاج فقط الى من يكتشفها، الى من يحبها من جديد.

Fekry19@hotmail.com