هوس الماضي وفوبيا التاريخ ما برحا يلاحقاننا في كل مكان وآخرها «سوق عكاظ» الذي تم تدشينه بعد (1300) سنة من الإغلاق.
جميل نبش ذاكرة التاريخ وجميل أيضاً محاولة إحياء ذلك العهد الثقافي الزاهر، لكن هل نمتلك الأدوات اللازمة لإعادته إلى الواجهة الثقافية من جديد بعد أن تغيّر الزمن وتغيّرت معه أشياء كثيرة.
«سوق عكاظ» لم يكن منصة لإلقاء قصيدة أو منبراً لإقامة أمسية ثقافية، وإنما كان تظاهرة سياسية وثقافية وتجارية في آن واحد.
في «سوق عكاظ» كان ينزل (70.000) من قبائل العرب ليكون محطة للحلول السياسية والفصل في المنازعات القبلية وتبادل الأسرى ودفع الديات... إلخ، في الوقت الذي كان مسرحاً مفتوحاً للشعر والخطابة في كافة مناحي الحياة.
لم تكن ثمة رقابات على ما يُطرح في السوق، فلم يكن له شبيه في عصرنا الحاضر سوى الـ Speakers Corner في الهايد بارك.
في هذا السوق كانت تجلب أجود البضائع من السمن والأقط والألبان والطيب والحرائر والبخور وكانت تعرض أحدث الأسلحة التي كانت تصنّع في الحجاز واليمن والشام.
ملك اليمن كان يبعث بالسيوف اليمانية والموشيات الفاخرة والمراكب الفارهة لينادي رسوله.. بأعز العرب.
الرياضة لم تكن استثناءً من هذه التظاهرة السنوية، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصارع أقرانه في مرابع السوق قبل دخوله الإسلام.
هذه السوق بكل ما تكتنزه من زخم وإرث تاريخي مشهود.. هل نستطيع استنساخها بأدوات جديدة ومحيط متغيّر وزمن مختلف؟ وهل يمكن حقاً إعادة وهجها وألقها التاريخي بقصيدة شعرية أو أمسية ثقافية؟ أرجو ذلك.
أخبار ذات صلة