لا ادري من أين يستمد هؤلاء المتشددون آراءهم وأقوالهم التي يحاولون تطبيقها علينا فالمتتبع لسيرته صلى الله عليه وسلم يجد أن الوسطية والاعتدال هما سبيله في هذه الحياة فعن عائشة أن رسول الله قال للمجامع في نهار رمضان: «هل تجد ما تعتق به رقبة؟»، قال: لا، قال: «فهل تجد ما تُطعم به ستين مسكيناً؟»، قال: لا، ثم أتى النبي عليه الصلاة والسلام بعرق فيه تمر فقال: «تصدق بهذا»، فقال: هل على أفقر منا، فما بين لابتيها أهل بيت أحوج منّا. فضحك النبي، وقال له: «اذهب فأطعمه أهلك».
ويروي أحمد أن ماعزاً لمّا وجد مس الحجارة أخذ هرباً، فمرّ برجل معه لحي جمل فضربه وضربه الناس حتى مات فذكروا ذلك لرسول الله فقال: «هلا تركتمـوه». وفي صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة من الأزد، فقالت: طهّرني يا رسول الله، فقال: «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي
إليه»، فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز، إني حبلى من الزنى، فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال، فأتى النبي فقال: قد وضعت فقال عليه السلام: «إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغير السن ليس له من يرضعه»، قال رجل من الأنصار إلي إرضاعه يا نبي الله؟، قال: فرجمها. وأخرج مسلم عن علي أن أَمَـة لرسول الله زنت فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي فقال: «أتركها حتى تتماثل».
أخرج البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لماعز: «لعلك قبّلت أو غمزت أو نظرت أو لامست أو فاخذت؟». فقال لـه: لا يا رسول الله، محاولاً عليه السلام إسقاط الحد بالشبهة المحتملة تطبيقاً لتعاليمه السمحة بدرء الحدود عن المسلمين ما استطاع الحاكم، «فإن كان له مخرج فخلُّوا سبيله». فالإمام يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة. وفي (فتح الباري) أنه جِيء بالنعيمان شارباً للخمر عدة مرات وفي كل مرة يُضرب حتى قال الصحابة اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي لا تفعلوا فإني لأعلم أنه يحب الله ورسوله. وروى أحمد أن غلاماً طلب من رسول الله أن يأذن له بالزنى، فقال له النبي: «أتحبه لأمك؟»، قال: لا، قال: «كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم!، أتحبه لابنتك؟»، قال: لا، قال: «كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟» حتى ذكر العمة والخالة وهو يقول: لا في أسلوب راق في التعامل والإقناع بالحُجّة والمنطق وهذا أعظم درجات الحلم والمحبة والقدوة الحسنة لما يجب أن يكون عليه العلماء والمربون والمصلحون في المجتمع دون غلو وتشديد.
وفي فتح مكة يستخدم خالد سيفه، فيغضب رسول الله قائلاً: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد». وفي غمرة النصر وقوّته يقول لكفار قريش «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
ويقول «رأس العقل بعد الإيمان بالله التودّد إلى الناس والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده وأنه لمّا خلق الله الخلق كتب في كتابه إن رحمتي تغلب غضبي». وعندما يضيق رسول الله بأذى المنافقين يستأذنه عمر في قتل أحدهم فيقول معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه وكلما اشتد أذاهم قابلهم بالعفو والمحبة، وتبلغ قمة حبه وتسامحه في صلاته واستغفاره لكبير المنافقين، ويقول: «لو أعلم أني أزيد عن السبعين مرة مستغفراً فيغفر الله له لفعلت» ويكفنه في بردته الكريمة ويودعه مثواه الأخير. وكان عليه السلام دائم البشر سهل الخلق ليّن الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مزّاح، وكان لا يذم أحداً ولا يعيّره ولا يطلب عورته.
رُوي عن أبي داود أنه قال: يكفي المرء لدينه أربعة أحاديث من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيّات، ونية المرء لا يعلمها إلاّ الله وحده. والثاني من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وأن لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه. والرابع الحلال بيّن والحرام بيّن ويقول عليه الصلاة والسلام: «إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم». رحمة وتخفيفاً بهذه الأمة تصديقاً لقوله تعالى: ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ).
هذا هو الإسلام دين الوسطية والاعتدال يحث على الخير والمحبة ويدعو إلى الألفة والتسامح، غايته الحفاظ على النفس بعيداً عن الغلو والتشدّد وزرع الشك والريبة والظن السيئ وكل الذي نراه اليوم والذي أفقد الإسلام أصالته وجعله متهماً في عيون أعدائه مردّه الاجتهادات الفردية التي اصطنعها البعض منا. يقول ابن تيمية إن الشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا وأن ليس للإنسان أن يخرج عن الشريعة في شيء من أموره. والمقصود بالشريعة هنا الشريعة الإسلامية الصحيحة كما وضعها الله وبيّنها الرسول وليس كما فهمها المتشدّدون والمغالون وممن ابتلينا بهم في هذه الأيام. ممن ضيّقوا علينا واسع هذا الدين. فأينما نقف اليوم لا نجد إلا غلظة البعض وشدته وأخذ الناس بالظن وضربهم وترويعهم حتى إذا ماتوا قالوا قضاء الله وقدره.
إن رحمتي تغلب غضبي
17 أغسطس 2007 - 19:50
|
آخر تحديث 17 أغسطس 2007 - 19:50
تابع قناة عكاظ على الواتساب