كوني أخوض كثيرا في المواضيع التربوية لا يعني أنني اب مثالي، رغم أن أكثر شهادة اعتز بها جاءتني من ابن أحد أقاربي، عندما قال لي يوما ما معناه: ليتك كنت أبي.. أبوه إنسان طيب وودود ولكن العفاريت تركبه إذا لعب العيال حيث يجلس او يرقد، لا يلجأ قط الى الضرب ولكنه كثير الصراخ: اهمد يا زفت الطين.. يا بنت سدي حلقك.. فاكرة نفسك في مظاهرة؟ وليست لديه أي مهارات في ملاعبة ومداعبة الأطفال، وأخبرته أن ولده تمنى لو أنني أبوه، فحزّ ذلك في نفسه واستدعى الولد وسأله برفق: لماذا تتمنى ان يكون عمك جعفر أباك؟ فقال الولد بدون تردد ما معناه «إنه يلاعبنا ويتعابط معنا ويسمح لي ان اهزمه في المصارعة».. وبعد ان انصرف الولد قال لي: أنت بوظت الولد... ولكن شهادة الولد لي جعلته يحس بالذنب واعترف لي لاحقا بأنه صار يلاعب أطفاله وأن ولده ذاك لم يعد يتمنى ان يكون عمو جعفر أباه.. ومثل كثير من الكتاب فإنني أنهى عن الشيء وآتي مثله.. يعني أكون نجارا يسعى لإصلاح أبواب الآخرين وبابه مخلع.. فقد لاحظت خلال السنوات الماضية أنني أحيانا أقصر في حق عيالي بل وأكون سريع الاشتعال و«خلقي ضايق» بسبب العكننة التي لا مفر منها بسبب ضغوط العمل.. ثم تبنيت فلسفة تقول ان الأولوية لعيالي.. أنا شغال وطالع ونازل من أجلهم، ولن أجعل العمل يدخل بيني وبينهم.. يعني إذا تضاربت مصلحة العمل مع مصلحة عيالي فطز في العمل (أكرر للمرة المليون ان كلمة طز ليست كلمة نابية فقد تسللت من التركية الى العربية ويقال ان الأتراك عندما كانوا يجبون الضرائب على كل السلع ما عدا الطز أي الملح ومن ثم كان التجار يتهربون من الضرائب بزعم ان ما في هذا الكيس او ذاك طز أي ملح، وشيئا فشيئا اكتسبت الكلمة معنى الاستهزاء والاستخفاف)، وبما أنني أحب عملي وأحب اتقانه، فقد عودت نفسي على «الإخلاص» للعمل في بيئة العمل، وبمجرد مغادرتي تلك البيئة أنسى كل شيء عنها... قالوا لي ان طبيعة عملي ودرجتي الوظيفية تخولني امتلاك هاتف جوال مجاني فقلت لهم «أعلى هامان يا فرعون؟ تريدون ان تصطادوني بالهاتف المجاني على مدار الساعة؟».. وعلى مدى سنوات كنت أقوم بعمل إضافي لزيادة مواردي المالية ولكنني أدركت أيضا ان أي فلس إضافي يكون خصما على علاقتي بعيالي، وحب العيال لا تستطيع ان تشتريه بالمال، واصطحابهم الى المطاعم بين الحين والآخر ليس بديلا أفضل من الجلوس معهم في البيت لتسير الحياة العائلية على نحو طبيعي (بدون جدول أعمال أو برنامج)، نتشاغل عن بعضنا البعض لفترة محدودة ولكن يظل بيننا حوار وتواصل غير مفتعل، وأهم ما تعلمه عيالي من مجالستي لهم الاعتماد على النفس بدلا من الخادمة.. أعد الشاي لنفسي بنفسي.. بل وان اكبر عيالي لم يكن يعرف كيف يكون تغيير لمبة كهربائية تالفة، ولما رآني اقوم باستبدالها اختشى على دمه وصار يقوم بتلك المهمة!