يـظـن الـكـثـير أنّ الـدول الـنـامـية تـمرّ بـمرحـلـة اقتـصـادية مؤقـّــتـة سوف تـجتـازها فيما بـعـد وتـصبح دولا صـنـاعية متـقـدمـة! وهـي بـذلك تـشبه الـى حـد كـبـير طـالـب المرحـلة المتـوسـّطـة الذي سـيجـتـازها الى المرحـلة الـثانـويـة بعد مـرور بضعة أعوام. ولـكـن هـذا الـرأي لا يتـفـق علـيه عدد لـيـس بـقـلـيل من خـبـراء الـتـنـمـية! فـهـم يقولون إنّ مـرحـلة الـتـنـمـية تـشبه الـى حـد كـبـيـر الـعجلات الـخلـفـيـة للـعـربـة، التـى لا بـد مـن بـقـائها في مكانـها حصـريا لتـدفع العربة الى الأمام.. شريطة أن تـبـقى في مكانها الـخـلفي الى الأبــد!
فالدول الـنـامية هي المـصدر الـرئيس لعـشرات الـمـصادر الطـبيـعية والتي لابد ان توفـرها بأنسب الأسعار للدول الـغنـية! والـدول الـنـامـية هي التي تستضـيف المـصـانع المهـاجرة من الـغرب، لتـقدم لـهـا العـمـالة الـرخـيصـة والـبـيئـة المـسـتبـاحة والانظـمـة الـمـطّاطة التـي تـتـسع لحـجـم الـزبـون ومتـطلّبـاته! واذا تـمرّدت احدى هذه الـدول عـن هـيمـنة نـظام «السـوق»... دفعـوها خـارج الأسواق وضـيّقوا علـيها الـخنـاق.. حتى ترفـع الـرايـة الـبـيضاء.. وان كان مــن تــحت الـماء.. كـي لا يشـمـت بــهـا الأعـداء!
أمـّـا اذا لعـبت وفـق قـوانـين الـلـعـبة، أفـسـحوا لـهـا المـجــال.. وخـرقوا لـهـا «خـرقـا» في السـتـار.. وهيأوا لـها الـسبل للانـتـقـال من المـنـاطق «العشوائية» الى الأحـيـاء الـراقـية في الـشمـال! ولا أشك أنّ دولـة الـهـند قامت بـهذا الدّور على أكمل وجه.. ابتداءً من التـضـييـق على الـقنـوات الـفـضائية الـعـربـية التي تـبرز الـظـلم الاسرائيلي والافـتـراء الأمريكي، ومرورا بالقرارات الدولية التي تجامل فيها أصحاب «الطواقي السـوداء».
وبرغم أنّ الهـند كانت مـستعـمرة بريطانـيـة، الاّ أنّـها التفّت حول تلك الهـيمـنة بأسلوب جـعـل الــتـاج الـبريـطـانـي «يـحـمرّ» خجلا من جـشـعهـم وطـمعـهم! والقـصـة الـظريفـة هي انّ آلاف الـهـنود كانوا يمتـهـنون الـزراعـة. كانت حـقولهم الـزراعـيـة قـريـبـة مـن الـبـحـر، حيث كانوا يعمـلون في أجواء حـارّة وعالية الرطوبـة.. مـمّا جـعلـهم بحـاجة لا تنقطع من الماـح لتعويضهم عن كميـات العـرق التي كانوا يفقدونها كـل دقيقة. ولحـسن حـظـهم كان هذا المـلح مـتاحا دون مقابل على الشواطئ، يحصلون عليه بمجرّد تـسخـين ماء الـبحر!
ولـكـن الاستـعـمار الانـجلـيزي وجـد في حـاجـة الـهـنود لـلـمـلح، أفضـل وسـيلـة لاكتـسـاب الأموال لـتغـطية بعض نـفـقـاتـه مـثل سـندوتشات «الخـيـار» والسـمـوم الكـحولـية لضبّاطـهم! فـقـام بإصدار قـانـون يمنـع الـهـنود من استـخراج المـلح أو بـيعـه بأي حال من الأحوال. بل إن ذاك الاستعـمار قام باصدار قانون رسمي يـقـرر «أن قيام أي انسان باستخراج أو بيع الملح يعتبر جريمة يعاقب عليها القـانون». وبـذلك أحتكر الانجليز الملح وفرضوا ضريبة عليه أثقلت كاهل الفقراء والمزارعين الهنود.
وبنـيـل الهند استقلالها في يناير 1930م، أدرك «غـاندي» ضرورة مقاومة ضريبة الملح تلك! فأخذ يـستنهض الـشـعب الـهـندي على مقاومة الظـلـم الانجليـزي! وبعد شـهرين من الاستقلال، قـام «غـاندي» ومـئـات الـهـنود بـمـسـيرة تـاريـخـيـة لمناهضة ضريبة الملح استغرقت ثلاثة وعـشريـن يـومـا مـشـيـا على الأقـدام. وفي الـسـادس من شـهر ابـريـل1930م، أخـذ غـاندي بـيده مـضغـة مـن الطـيـن الـبـحري وقام بـغــلـيه في قليل من ماء الـبحر ليستخرج الملح الذي منع الملايين من انتاجه من قـبل! وهـكذا احتـفـل الــتاريـخ بمـلـحـمـة رفـض فـيـهـا شـعب حـافـي الأقدام الظـلم والاستبداد من أجـل حفنات من المـلح! فـهـل نـغـار نـحـن عـلى أرطـال الـدّم التـي تـراق في ديارنا صباح مسـاء! فـهلاّ كـنـا «غـانديـيـن» واستخدمنا مـفـردات الـسلام الاقتصادي بالامتناع عن انفاق أموالنا لدعم الاقتصاد الأمريكي بمقاطعة منتجاتهم.. وهل هناك وسيلة أضعف من هذه للتعبير عن مشاعرنا!
Samirabid@Yahoo.com
ملح الهنود... ودماء العرب !
28 يوليو 2007 - 19:41
|
آخر تحديث 28 يوليو 2007 - 19:41
تابع قناة عكاظ على الواتساب