وأخيراً نحط رحالنا في الرياض.. العاصمة.. وبداية المشوار الأهم في حياة الراحل الكبير الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري.. حيث ينطلق من هنا من مؤسسة الحرس الوطني صوب آفاق جديدة في حياته.. بل ويسعى لتثقيف مؤسسة العسكر.. ويساهم في اثراء مهرجان الجنادرية.. وتبدأ علاقاته بالأدباء والمفكرين العرب تأخذ سياقا أكثر دراماتيكية وتفاعلاً. نحن الآن في عام 1381هـ وقد صدر المرسوم الملكي رقم 2322- 21- 6 بتاريخ 28/ 5/ 1381هـ بتعيين الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري وكيلا للحرس الوطني وقد وصف الزميل محمد السيف تلك اللحظة المحورية في حياة الراحل الكبير قائلا: بعد 24 عاما من العمل في رئاسة بيت المال في المجمعة والزلفي وسدير, وبعد ما حققه من حسن ادارة ومن صيت طيب وسمعة حسنة لدى ولاة أمره وبين الناس. انتقل الى الرياض للعمل في الحرس الوطني وكيلاً لسمو رئيسه الأمير سعد بن سعود بن عبدالعزيز, وذلك بموجب المرسوم الملكي الكريم الذي اصدره الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله-.. والمتضمن انه بناء على مقتضيات المصلحة فقد تم تعيين عبدالعزيز التويجري وكيلاً للحرس الوطني بالمرتبة الاولى وبراتبها المقرر لها. وقد اشارت صحيفة “القصيم” بعددها الصادر بتاريخ 29/ 5/ 1381هـ الى ان تعيين التويجري وكيلا للحرس الوطني يأتي بديلا عن الفقيد سليمان بن جبرين واضافت الصحيفة تقول (ان الشيخ عبدالعزيز قد باشر عمله بعد ان اجتمع ومديري الاقسام بالحرس الوطني بسمو رئيس الحرس الوطني. حيث استمع الجميع الى توجيهات وارشادات سموه التي تهدف الى التعاون والعمل الجدي لما يحقق المصلحة العامة.
ومضت بالقول هذا وقد عرف عن سعادة الشيخ عبدالعزيز انه الحكيم البصير في مثل هذه الاعمال لخبرته الطويلة وخدماته الكثيرة في الدولة. مما جعل افراد تلك الرئاسة مسؤولين وغير مسؤولين يستبشرون خيرا ويؤملون في شخصه تعديل ما اعوج من الأوضاع التي لا تخدم المصلحة بفضل توجيهات سمو رئيس الحرس الوطني الذي لا يدخر وسعا فيما يحقق الاهداف السامية التي يدعو اليها الملك المعظم, فنهنئ سعادة الشيخ عبدالعزيز ونتمنى له التوفيق والنجاح وبعد انتقال التويجري الى الرياض حل مكانه في بيت مال المجمعة وسدير ابن عمه محمد بن ناصر التويجري ثم ابنه ابراهيم وما تزال رئاسة المال في أبناء التويجري الى اليوم منذ مائة عام وعام.
وداعاً.. لوادي المشقر
غادر التويجري المجمعة ووادي المشقر وأشي, حيث ذكريات الطفولة واحلام الشباب الغامر, غير انها كانت وما تزال لديه هي اجمل الذكريات وأرحبها في نفسه.
يقول عنها وبشيء من الحزن هي اليوم تلتقي بي وانا على آخر عتبات سلم الحياة. ولقاء كهذا يرمي بالحجر الثقيل في اعماق النفس فتنفجر بالاحزان وتشق طريقها الى قيعان الذات التي امحلت. واتساءل مع نفسي: هل صحيح ان الحياة التي مرت بنا على هذه الطريق الطويلة من الذكريات دون ان نشعر بها الا حين أكل الصيف أيام الربيع عندنا.
وفي الحرس الوطني عمل الشيخ التويجري بكل جد واخلاص في ادارة هذه المؤسسة العسكرية, فكان أحد الذين ارسوا دعائمها وكان احد الذين وقفوا خلف مساهمتها في العمل الثقافي من خلال مهرجانها الكبير (الجنادرية) الذي أسس للحوار الثقافي بين مثقفي الوطن العربي بمختلف أفكارهم وتوجهاتهم حينما الجميع في رحاب الرياض. كما ان هذا المهرجان قد أسس للحوار الوطني الذي نتفيأ ظلاليه اليوم..
لحظة اللقاء
وتجربته الطويلة مع مؤسسة الحرس الوطني بلغت اوجها وقمتها بعد تعيين خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رئيسا لهذه المؤسسة حيث قال الشيخ التويجري عن هذه اللحظة (تجربتي في الحرس الوطني قد لا استطيع ان استوفيها مع هذا السؤال. فالحرس الوطني ليس تجربتي وحدي, وليس دوري فيه الا دور أي موظف صغيرا كان أم كبيرا
الا انني استطيع ان أؤكد لسائلي ان الحرس الوطني هو تجربة صاحب السمو الملكي ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس الحرس الوطني (خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز)
وهي تجربة سارت بنا الى الواقع الذي يشهده العالم في رجال الحرس الوطني, ودورهم الكبير في انطلاقة كبرى ثقافية وعلمية, وسعة في أفق واجباته, وتوجهات الحرس الوطني بفضل الله ثم بفضل رؤية رئيسه.
الاخلاص والتفاني
وقد رصد الدكتور صالح بن محمد التويجري ابرز المحطات في حياة الراحل الكبير الشيخ التويجري بلغة عاشقة حين قال الشيخ عبدالعزيز ليس رجلا عاديا بمقاييس عدة منها اخلاصه المتناهي لدينه ومليكه ووطنه وفكره الثاقب وثقافته الثرية ومكارم اخلاقه النادرة وهو رجل عصامي منذ نشأته لم يدخل مدرسة ولم يتتلمذ على يد استاذ علمته الحياة واستفاد من تجاربها الثرية بحس واع لما يدور حوله وبذكاء فطري نادر.
ويضيف الدكتور التويجري ويذكر الشيخ عبدالعزيز في احد مؤلفاته (لسراة الليل هتف الصباح) ما علق بذاكرتي اني من مواليد المجمعة منطقة سدير في قلب نجد مات ابي وعمري ست سنوات وفي ايامنا البسيطة تلك في كل شيء,كان لمجتمع القرية فضائل لا يشعر معها اليتيم والصغير باحساس مرارة اليتم.. كل القرية اهلنا. اسرتي تتساوى وتتآخي مع جميع اسر القرية في حب ووئام, استلمت عملا رسميا وعمري يقارب الثامنة عشرة.
ومن ذلك اليوم الى يومي هذا وعملي متواصل في خدمة الدولة, ثقافتي اكتسبتها من تجربتي في الحياة, وبما تيسر لي قراؤته من كتب.. جيبي خال من الشهادات, فالحياة معلم والناس معلم والتاريخ واحداثه معلم, على العموم لم يكن لي معلم واحد, لم ادخل مدرسة سوى الكتاب, ويقول في كتاب آخر (منازل الاحلام الجميلة) فأول ما تعلمته في مجتمعنا البدائي الصغير ان نبقى دائما مع جذورنا وقريبين من هذه الجذور لا نجنح بعيدا عنها في وجداننا بحيث لا يصيبنا الغرور او التعالي عليها فتخرج منا مكارم الاخلاق وجودة المعدن.
الاحساس المرهف
ويصف الدكتور التويجري لحظة انتقال الراحل الكبير الى الرياض بقوله في عام 1381هـ نقل الشيخ عبدالعزيز التويجري وكيلاً للحرس الوطني بعد ان مر بالعديد من التجارب الثرية قبل استلامه عمله وفي عام 1383هـ كانت المحطة الأهم في حياة العم عبدالعزيز بعد ان عين خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- (الأمير عبدالله آنذاك) رئيسا للحرس الوطني. اعجب به كثيرا وأحبه بكل مشاعره وتفانى في خدمته. حيث وجد فيه ذلك الانسان النقي المخلص لدينه ووطنه صاحبه لمدة 45 سنة عمل خلالها وكيلاً للحرس الوطني ثم نائبا مساعدا وقد احله الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- محلاً تجاوز به حدود ما كان يحلم به أو يتخيله ولكنه دون ادنى شك جدير بهذه المكانة وهذه الثقة الغالية ويستكمل الدكتور التويجري شهادته قائلا الشيخ عبدالعزيز منظم في كافة شؤون حياته, في أكله ومشربه ونومه واستيقاظه وفي عمله, كما انه دؤوب لا يعرف الكلل او التقصير غداؤه غداء عمل وعشاؤه عشاء عمل وما بينهما عمل بالاضافة الى دوامه اليومي بالحرس الوطني الذي يبدأ في الصباح الباكر. ورغم هذا البرنامج المزدحم فانه يجد الوقت الكافي للقراءة والكتابة وممارسة رياضة المشي. والقيام بالواجبات الاجتماعية التي يحرص عليها مثل زيارة المرضى والمشاركة في الافراح والاتراح, كما انه قريب جدا من عامة الناس وخاصتهم يخصص النصف الاول من بعد صلاة العصر للنساء من افراد الاسرة اما الرجال فيقابلهم في النصف الثاني من بعد صلاة العصر ويسأل عن احوال الكبير والصغير ويتلمس حوائجهم ويغمرهم بعطفه وكرمه.
واكثر ما كان يشد انتباهي احساسه المرهف بآلام الناس ومعاناتهم وحرصه الشديد على قضاء حوائجهم.
هاجس الحظ
هكذا إذا عبرت الأيام والمسؤوليات من المجمعة الى الرياض ومن البعد عن العالم الى قلب الحدث وقد وصف الراحل الكبير الشيخ التويجري بقلمه هذه التحولات في كتابه “اجهدتني التساؤلات معك.. ايها التاريخ” الذي صدر عام 2002م حين كتب بقيت من عام 1356هـ في عملي بالمجمعة الى عام 1381هـ حيث نقلت الى الرياض وكيلا للحرس الوطني السعودي, وتدرجت بي المسؤولية حتى رفعت الى المرتبة التي انا عليها الآن, وهي نائب رئيس الحرس الوطني المساعد لسمو الامير عبدالله بن عبدالعزيز (خادم الحرمين الشريفين) ثم يعلق على هذه الجزئية في هامش الكتاب بقوله: اني في هذه الأوراق مع التاريخ, أما ما يعنى علاقتي مع سمو الأمير عبدالله (خادم الحرمين الشريفين) فلها أوراق أخر, وقد قضيت مع سموه حتى الآن ثلاثا واربعين سنة غنية بمكارم اخلاقه.
ويضيف بعد ذلك هاجس الحظ في حياتي اشكر الله عليه فهو معي عشرات السنين من العمل الرسمي, كما قلت وارجو ان يبقى معي ساترا لعوراتي ولانسانيتي الضعيفة التي لاتتعالى على عطاء الله وتدعي انها.. وانها. ابداً فقيرة الى الله الى رحمته الى ان يبقى هذا الحظ معي حتى يوصلني الى مدفني ويعود اليك ايها التاريخ حاملا اليك ذكراي بالخير.
الحرس.. والجنادرية
أجل رحل الشيخ التويجري وبقيت ذكراه بيننا حاضرة بالخير والجمال والدهشة دائماً وهنا وبعد فتحنا صفحة الحرس الوطني الطويلة والعامرة بالمحطات الكثيرة لابد ان نقف طويلا امام محطة الجنادرية.. ودور هذا المهرجان في زرع الثقافة في صحراء الوطن. ودور الراحل الكبير في تجذير هذا المهرجان في وعينا.. وهذا ما سيكون موضوع حلقتنا القادمة.
بعد 24 عاماً ودع المجمعة ودخل الحرس الوطني
التويجري عاش «فقيراً» وصاحبه «الحظ» الى القبر
29 يونيو 2007 - 19:38
|
آخر تحديث 29 يونيو 2007 - 19:38
تابع قناة عكاظ على الواتساب
هاشم الجحدلي (جدة)«الحلقة العاشرة»