تنهض بعض الأوهام المتعلقة بالكنوز المدفونة في الجبال النائية بذاكرة الراكضين وراء السراب واحلام الثراء من كنوز الأولين ولأن مثل هذه الترهات تخترق الذاكرة لبعض السذج من العامة فإن السحرة والمشعوذين يجدونها فرصة لإيهام الضحايا انه بإمكانهم تسخير الجان من اجل استخراج تلك «الدفينة» والتي يؤكد الدجالون للباحثين عن الثراء انهم يعرفون مواقع الكنوز فيصدق المخدوعون ما يروجه السحرة عن تاريخ دفن الكنز ونوعية المقتنيات. هناك قصص وحكايات يرويها سكان القرى الجبلية في الجنوب عن اشخاص يتسللون في انصاف الليالي باتجاه الجبال وهم يحملون ادوات الحفر بحثا عن الكنوز.
مثل هذه المشاهد مألوفة بعدما أشيع ان هناك كنوزا في اماكن متفرقة من الجبال النائية.
الشيء الغريب ان المواقع التي يقصدها الواهمون لا يوجد بها او بالقرب منها علامات تدل على انها سكنت من قبل والطريف ان عمليات الحفر الواسعة ليست حكرا على اهالي المنطقة بل قد تجد قادمين من مناطق مجاورة للمشاركة في الحفر والتنقيب وأجمع عدد من اهالي المنطقة الجنوبية ان شائعة الكنوز روجها بعض من ممارسي السحر والشعوذة ومن الحكايات التي تروى في هذا الخصوص ان السحرة نجحوا في اقناع طالبي الثراء والذين يتهافتون للسؤال عن الكيفية التي تجعلهم اغنياء فيؤكد المشعوذ للضحية ان الجان ابلغوه بموقع الكنز بعد ان يدفعوا للساحر عربونا ضخما.. وعندما لا يجد الشخص الواهم شيئا يعود الى الساحر مرة اخرى ويجدونه ذاب في الزحام.
وفي هذا السياق كان جبل «دمادم» الكائن في بللحمر بمنطقة عسير قد شهد عمليات حفر واسعة وبعد ان لاحظ الاهالي ذلك ابلغوا الجهات الامنية التي راقبت الموقع وألقت القبض على عدد من الاشخاص في وقت متأخر من الليل واعترف هؤلاء ان مشعوذا من جنسية عربية اوهمهم ان ذلك الموقع به كنز مدفون.
ونظرا لأن اوهام الكنوز المدفونة تراود مخيلة البعض فإن هناك رأيا سابقا لفضيلة الشيخ محمد صالح بن عثيمين رحمه الله عن حكم من يحضر الجن بطلاسم يقولها ويجعلهم يخرجون له كنوزا مدفونة في الارض منذ حقب بعيدة.. فقال رحمه الله:
هذا العمل ليس بجائز فإن هذه الطلاسم التي يحضرون بها الجن ويستخدمونهم بها لا تخلو من شرك في الغالب والشرك أمره خطير.
ورغم ان جميع محاولات العثور على كنز باءت بالفشل الا ان عمليات الحفر لا تزال مستمرة وتنتشر في بعض الجبال البعيدة عن التجمعات السكانية حيث يكتشف الرعاة والمتنزهون حفريات مماثلة في مواقع متفرقة.
ويفسر الاخصائي الاجتماعي فهد العامر ما يحدث بالوهم حيث يقول: رغم ان عمليات البحث السابقة صاحبها الفشل الا اننا نكتشف آثارا حديثة للحفر بين وقت وآخر سواء في المواقع السابقة او في مواقع اخرى جديدة مشيرا الى ان بعض الاشخاص الذين قبض عليهم في وقت سابق اكتشف انهم قدموا من مناطق مجاورة مما يؤكد انهم مخدوعون من قبل اشخاص اخرين أوهموهم بوجود كنوز في اماكن معينة لا يعرفها الطرفان أصلا وأن الهدف من وراء كل ذلك هو الاحتيال والحصول على المال فقط من قبل بعض النصابين الذين روجوا هذه الشائعات ولو فكر هؤلاء الواهمون قليلا لأدركوا ان المسألة مجرد نصب ليس إلا خاصة ان المواقع التي يبحثون فيها لم يثبت أن أحدا سكنها ولا يوجد بها أي دلائل تشير الى وجود ما يحفرون من أجله فهي مجردة من آثار البناء او الاقامة وليس بها الا الصخور والتراب والاشجار.ويصف الدكتور احمد الغامدي استاذ علم النفس اختيار هذه المواقع بأنه ينم عن ذكاء وتمرس الدجالين الذين اختاروا ما يناسب عقليات السكان ومداركهم متخذين من واقعهم الذي تعودوا عليه طريقا يربطهم بالخيال ويجعلهم اقرب الى التصديق بوجود ما يزعمون،
ويحذر العقيد عبدالله القرني المتحدث الرسمي بشرطة عسير من الانجراف وراء شائعات المحتالين الذين يوهمون ضحاياهم بوجود كنوز في مواقع معينة فيقنعونهم ليبدأوا البحث عنها بينما يحصل النصابون على نصيبهم من الكنز المزعوم مقدما ثم يلوذون بالفرار.
ويشير العقيد القرني الى ان رجال الامن بالمرصاد لمثل هؤلاء لإيقاف أي تجاوزات وحفظ حقوق المواطنين وحمايتهم من خداع النصابين داعيا الى الابلاغ عند ملاحظة اي حركة تثير الشكوك.
وأكد العقيد القرني ان تعاون المواطنين كان له دور كبير في القبض على عدة اشخاص كانوا يحفرون في احد جبال بللحمر بحثا عن كنز لا وجود له بعد أن خدعهم نصاب لافتا الى ان الدوريات الأمنية تقوم بجولات ليلية باستمرار لرصد أي تحركات مشبوهة في المواقع التي قد يلجأ اليها البعض للتنقيب والحفر.