هذا صباح آخر يا أمي يتسلل فيه الضوء الضئيل إلى قلبي بلا أفق.. عام آخر مضى وأنت تنامين خارج بيتك وحيدة.. أتقدم بخطواتي المهزومة إلى قبرك أسحب أطرافي المتيبسة التي فقدت صلتها بي أنحني على التراب العاري البارد.. هذا التراب الذي أصبح ثروتي بعدك.. أقبله.. أفتح ذراعي حوله. أضمه بحضن عميق.. أستجمع فتات نفسي أحس بانفلات روحي.. تلتصق رموش عيني بالدموع وأحس بذلك الانسحاق والرجفة التي تحيلني إلى نخالة إنسان تداهمني الذكرى بطعمها الحاد وسطوتها الطاغية أستنشق التراب أحس برئتي كثيفة بذرات غبار قبرك أغمر نفسي في رائحتك رائحة الريحان المختبئة في روحي تربكني الذاكرة ترن في أذني حكايتك وأحاديثك وكلماتك المكسورة.. أحبس أنفاسي وأغمض عيني وأبكي آه لو كنت أستطيع أن أصنع من هذه الدموع سلماً لفعلت ولصعدت إلى هناك وأحضرتك إلى قلبي المعطوب مرة أخرى..
وهم جميل استمر لثوانٍ ولكن من قال إن الدموع تعيد من يموت.. قليل الحيلة يا أمي لا شيء عنده سوى الدموع أتكور حول نفسي أغالب ثقل القلب وضيق التنفس أعوي وحيداً حائراً في فضاء «مكة» يعلو صهيل الذكرى في داخلي، تظهر صورتك أمام كاميرا عيني.. وجهك.. لمعة عينيك الواسعتين.. شعرك الخفيف الشايب.. يداكِ وأنت تقربينها من انفك تضبطين بها النظارة تقربينها من عينك.. ابتسامتك الملغزة ودعاؤك الذي تقبلين بعده بطن كفيك ثم تمسحين بهما على وجهك غابة من الذكريات العميقة تفتك بروحي أضع يدي فوق فمي وأذرف الدمع منكمشاً وأبكي أختلس النظر إلى وجهك أسفل القبر ذلك الوجه الذي كان وجوده في الحياة نعمة خالصة.. أحس بوخزة أسفل عنقي تحرضني أن أخترق القبر لأتعلق بعنقك لقد تغير العالم في بعادك يا أمي وأنت بعيدة عني.. تغير العالم كثيراً وأنت لست بجواري لا أحد أفضفض له عما يؤلمني بعدك.. لا أحد أتقاسم معه معاناتي وألمي وعذابي.. لا أحد يعوضني عن حنانك الذي كنت تغمرينني به.. لقد صار الاختباء حيلتي الوحيدة في عالم أنتِ لستِ فيه خباء الفرح من عيني بعدك واستسلمت للصمت والكآبة بل وفقدت ثقتي المطلقة بنفسي.. لقد أصبحت في بعادك لا أصبح لشيء صرت إنساناً غير مكتمل بعد أن فقدت الحب الأخضر والحنان الذي كان لي.. كنت البوصلة التي تحدد لي اتجاهاتي الأصلية وضاع الزمان والطريق برحيلك يا أمي وأصبحت الأحمال ثقيلة لا فرح بدونك إلا وتشوبه الدموع.. لا كلمة حانية.. لا حضن دافئاً.. لا شفقة تأكل القلب.. لقد تجاوزت الخمسين يا أمي بقليل وأنا عاجز عن أن أفهم تماماً لماذا أنت هناك وأنا هنا.. كان يجمعنا سقف واحد والآن أرفع رأسي فلا أجد إلا السماء ستظلين في ذهني عالماً حياً رغم السنين وسيبقى قبرك رفيقي حتى ألقاكِ!!
لماذا أنتِ هناك وأنا هنا ؟!
19 يونيو 2007 - 20:11
|
آخر تحديث 19 يونيو 2007 - 20:11
تابع قناة عكاظ على الواتساب
