«أنا مدمن منذ 20 عاما تعاطيت كل أصناف المخدرات وبعت كل ما أملك للحصول على الكيف حتى وصلت بي الحال أن أعيش في «حفرة جهنم» وسقطت في حفرة التعاطي حتى اصبح هذا المكان مقرا لي كما هو مقر لاصدقائي الذين يعيشون على ما يجود به المارة الذين يرأفون بحالتنا التي تصعب على الكافر»!! التجربة يرويها (أ. ط) عما يسمى بـ«حفرة جهنم» بؤرة مدمني المخدرات في حي «السبيل» بمدينة جدة.. وتروي سيدة سعودية أن زوجها الثري استدرج ابناءها الثلاثة الى مستنقع الادمان حتى يتخلص من لومهم المستمر له لادمانه المخدرات التي أثرت على حياتهم الأسرية، فسعت الى مستشفى الأمل لتخليصهم من ادمانهم على الهيروين حيث استدرج زوجها ابنهما الأكبر الى الادمان ثم الاصغر كوسيط للحصول على المخدرات بسهولة اذ توعدها والدهم المدمن بالطلاق رافضا علاجهم. ويروي (محمد. ب عبدالله. ق) بعد اقلاعه عن الادمان الذي امتد لأكثر من 25 عاما انه وقع في براثن المخدرات منذ الصغر في غياب الرقابة الاسرية وضعف الوازع الديني واصدقاء السوء وفي ظل عدم وجود توعية مناسبة عن المخدرات. والقصص التي تروى عن الادمان اكثر من ان تحصى مما يشير الى كبر حجم الظاهرة في المجتمع..
أصبح تفشي المخدرات في المجتمع مألوفا في العقود الأخيرة.. ويؤكد هذه الحقيقة ان 204 آلاف سعودي يتناولون المخدرات وفقا لاحصائيات عام 2004م حيث أبرزت ورقة العمل التي قدمتها وزارة الداخلية في المؤتمر الدولي لمكافحة الارهاب جهود المملكة في مكافحة تهريب المخدرات والأسلحة مشيرة الى ان 1.1% من السعوديين يتناولون المخدرات.
وكشف العميد الدكتور عبدالله بن مرزوق العتيبي بكلية الملك فهد الأمنية ان عدد مدمني المخدرات ومتعاطيها بلغ نحو 120 الفا حتى العام 2005م وذلك من واقع ما سجلته مستشفيات الأمل والمصحات النفسية، معتبرا المملكة من الدول المستهدفة.
انفاق 600 بليون دولار
وأوضح العميد العتيبي ان ما تم صرفه على تجارة المخدرات خلال عام 2005م وصل الى اكثر من 600 بليون دولار وفقا لاحصاءات الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات، كما وصل عدد المدمنين في العالم الى اكثر من 200 مليون مدمن ومتعاط عام 2005م.
فما هي أسباب انتشار الظاهرة وأهم العوامل لذلك؟
السفر والعمالة
أوردت ورقة الداخلية أبرز أسباب انتشار ظاهرة المخدرات في الطفرة الاقتصادية وارتفاع نسبة المواليد مع انخفاظ نسبة الوفيات مع زيادة عدد ذوي الفئات العمرية الصغيرة والمتوسطة وهي الفئات الأكثر استهدافا في استهلاك المخدرات، والزيادة الكبيرة في اعداد القادمين الى المملكة وزيادة اعداد المسافرين من السعوديين الى خارج المملكة وما يترتب على ذلك من انجراف بعضهم لهذه السموم وزيادة اعداد العمالة الوافدة الذي ترتب عليه انتشار ثقافات وافدة ذات قيم وعادات وتقاليد مختلفة عن التقاليد السائدة في المجتمع اضافة الى وسائل الاعلام التي ساهمت في نقل بعض انماط الجريمة والمجتمعات الاخرى.
مراقبة الأبناء
يؤكد المختصون على اهمية مراقبة سلوكيات الأبناء داخل المنزل وخارجه حتى لو كانوا أولادا صالحين معروفين بالاستقامة وحسن التصرف.. ففي كل خمسة منازل-وفقا للدكتور محمد عبدالله شاووش استشاري الطب النفسي المشرف العام على برنامج مستشفى الأمل بجدة نائب رئيس الجمعية السعودية للطب النفسي- يوجد منزل فيه مدمن او مستخدم للمخدرات ويضيف انه مع غياب الاحصاءات الدقيقة حول نسبة المخدرات بين الشبان والفتيات في المملكة انها زادت خلال العامين الأخيرين عن 30%. علما بأن المملكة العربية السعودية تعتبر من اوائل الدول التي وقعت على اتفاقية مكافحة الاتجار بالمخدرات لحرصها على حماية المجتمع من اضرار هذه الآفة الفتاكة. وتعميقا لهذا الاهتمام انشئت اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات بقرار من صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية.. وانشائها دلالة واضحة على ادراك الدولة أن مشكلة المخدرات تأخذ ابعادا خطيرة بين الشباب في المجتمع.
التأهيل من الادمان
وللجنة الوطنية دور هام من خلال اعداد الخطط وتوعية المواطنين بالاضرار المترتبة على تعاطي المخدرات..
ويقول الدكتور شاووش ان مستشفيات الأمل بالمملكة هي الوحيدة على مستوى الشرق الأوسط التي توفر برامج لتأهيل المعاقين من الادمان.
ويكشف أن المرشد المتعافي او مرشد التعافي هو شخص كان واقفا في مشكلة الادمان، وانقطع عنها لمدة لا تقل عن عامين ارتبط خلالها ببرامج أكاديمية في المستشفى تمت مناقشتها من اربعة محاور رئيسية هي الجانب البيولوجي، والجانب الاجتماعي، والجانب النفسي، والجانب الديني.
وتناقش هذه المحاور من متخصصين لمدة عامين يمنح في نهايتها الشخص شهادة اكاديمية من جامعة الملك عبدالعزيز تؤهله لأن يكون معالجا للإدمان. ويضيف د. شاووش ان المرشد المتعافي يلعب دورا كبيرا وصعبا في مساعدة المرضى على تجاوز محنتهم من خلال البرامج الوقائية والبرامج التثقيفية التي تقدم للمرضى كالمحاضرات والمشاركة في الأنشطة المختلفة في المدارس والمنتديات والادارات الحكومية وفي جميع القطاعات التي تحتاج الى تثقيف وتوعية من اجل الحد من ظاهرة الادمان.
برامج علاجية مكثفة
وعن المحتاجين الى برامج علاجية مكثفة يقول: انه يتم تنفيذها على أربع مراحل منفصلة اولى هذه المراحل هي: المرحلة الاجبارية: ويتم فيها ازالة السميات من جسم المريض وتتراوح مدتها من عشرة ايام الى اسبوعين بعدها ينتقل المريض الى اولى المراحل الاختيارية التي لا تلزم البقاء في المستشفى ويتم العمل خلالها على تعديل السلوك وتمتد من شهرين الى ثلاثة اشهر يتعلم خلالها المريض تنمية قدراته الذاتية والدفاعية للعلاج، وتعديل السلوكيات الخاطئة وتعلم بعض البرامج التي تساعده وتفيده في المسقبل.
ومن ثم ينتقل المريض الى المرحلة الثالثة وهي: مرحلة التأهيل بحيث يؤهل المريض لأن يصبح مواطنا صالحا وشخصا يرغب المجتمع فيه ويتقبله.
مرحلة الرعاية المستمرة او الممتدة وهي الرابعة والأخيرة بحيث يضمن تقليص الانتكاسة لأن الادمان مرض قابل للانتكاس.
معالجة المدمنات
وحول ايجاد قسم خاص لمعالجة المدمنات قال د. شاووش: فكرة انشاء قسم لهن واردة وهي حاجة ملحة وأن سبب عدم وجوده هو عدم ورود فكرة وجودهن أصلا في ميدان الادمان.. لكنها اليوم باتت مشكلة كبيرة لابد من مواجهتها لذلك طالب المستشفى منذ ما يقارب العامين من وزارة الصحة بانشاء مبنى خاص للنساء.. ومازال الأمر يدرس في الوزارة. ويضيف شاووش ولكننا في مستشفى الأمل نقدم المساعدات والنصائح لبعض المريضات لكن ليس لدينا صلاحيات استقبالهن في المستشفى لذلك يتم تحويلهن الى مستشفى الصحة النفسية بجدة.
وقال ان علاج الادمان لا يحتاج الى سرر أو عيادة فقط انما الى برامج مكثفة لأنه مرض يحتاج الى علاج طويل المدى والى طرق علاجية متنوعة.
أبعاد خطيرة
وعن الابعاد الخطيرة لتناول المخدرات بين الشباب يتحدث المشرف العام على مجمع الأمل للصحة النفسية بالدمام الدكتور محمد علي احمد الزهراني الذي أكد ان جهود المملكة تتواصل لمكافحة المخدرات ومن الصعب حصر تلك الجهود التي تتطور وتتوسع بمرور الوقت، وتتكاتف فيها القطاعات ذات العلاقة.. ولكن من أهم تلك الاساسيات ان الدولة وضعت في الاعتبار عدم معاقبة المدمنين بل اجتهدت ومازالت لمساعدة من يرغب في التوقف عن تعاطي المخدرات فانشأت لتحقيق ذلك مستشفيات الأمل في المدن الرئيسية وفرت بها كافة الامكانيات العلاجية والتأهيلية تحت اشراف فرق علاجية متخصصة باعتبار ان الادمان مرض يمكن الشفاء منه.
التوعية والتثقيف
ولم تقف جهود المملكة عند حدود علاج المدمنين بل اهتمت بالجانب الوقائي وجانب الحماية من خلال برامج التوعية والتثقيف الصحي عبر وسائل الاعلام المختلفة بعقد الندوات والمؤتمرات والمحاضرات في مختلف القطاعات خاصة التعليمية وايضا اصدار الاشرطة والمطبوعات والمطويات الارشادية واقامة المعارض.. وللحد من انتشار هذه الظاهرة فقد صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء بموافقة المقام السامي تنص على عقوبة المخدرات.. الهدف من ذلك المحافظة على الضروريات الاساسية التي تعتمد عليها حياة الانسان وهي الدين، النفس، العرض، المال والعقل.
ويضيف د. الزهراني ان عند تناول الحديث عن المخدرات لابد من الاشارة الى العوامل التي تدعو الافراد لتعاطيها حيث يختلف ذلك من مجتمع الى اخر.. ولكن الفرد الذي ينشأ في اسرة أو بيئة تتعاطى المخدرات يكون اكثر عرضة من غيره في تعاطيها وأن من يعمل في تجارة المخدرات لا شك فانه قد يتعاطاها نظرا لسهولة الحصول عليها.. وهناك فئة اخرى تتعاطاها لاغراض علاجية الأمر الذي ينتهي به الى الاعتماد وآخرون يتعاطونها لعوامل شخصية أو مرضية لحالات الذهان والعصاب او الاعتقاد الخاطئ بأن المخدر يزيد من القوة الجنسية ويحدث النشوة وغيرها.
أسباب التعاطي
وعن العوامل التي تهيئ الفرد لتعاطي المخدرات في نظره قال د. الزهراني: هناك عوامل شخصية داخلية واخرى بيئية خارجية تسهم في جذب الفرد للمخدر.
ومنها عوامل تتعلق بتاريخ الأسرة حيث ان تعاطي أحد أفراد العائلة كالاباء يعتبر خطرا يهيئ افراد الأسرة أو أحد اعضائها للتعاطي، كما ان الاضطرابات الأسرية كالتفكك وعدم الانسجام بين الوالدين والطلاق او زواج احدهما واهمال الابناء كل ذلك يشكل عوامل تهيئة الابناء كما أن المؤثرات في البيئة الأسرية كالفقر والحرمان من عوامل التعاطي.. كما أن التاريخ الشخصي للفرد مثل الاضطرابات السلوكية والنفسية والعقلية والانحرافات الشخصية او عدم الاشباع في مراحل الطفولة الاولى وضعف الوازع الديني والقيم الاخلاقية، كذلك السجائر قبل بلوغ سن الـ 12 عاما يعتبر مدخلا لبداية التعاطي.
وعن مراحل التعاطي يقول د. محمد علي احمد الزهراني للتعاطي مراحل يمر بها المتعاطي الى ان يبلغ مرحلة الادمان او الاعتماد والتعاطي: العرضي او الاجتماعي. ففي هذه المرحلة لا يبحث المتعاطي عن المخدرات وانما يتقبلها اذا عرضت عليه من بعض الأصدقاء في المناسبات والاعياد.
مرحلة التعاطي المنتظم ويتم في هذه المرحلة بشكل منتظم ودوري، يومي او اسبوعي، وفيها يبحث المتعاطي عن المخدرات، ويحرص على الحصول عليه، وتقوده هذه المرحلة الى المرحلة الرابعة وهي مرحلة الادمان او الاعتماد وفي هذه المرحلة يصبح العقار المخدر جزءا اساسيا من حياة المتعاطي بحيث يسعى جاهدا للحصول عليه واظهار الرغبة الشديدة في تناوله وعدم القدرة على الاستغناء عنه بحيث يتطلب ذلك من المدمن تعاطي جرعات زائدة للحصول على النشوة.
وهنا أشار د. الزهراني الى ان مشكلة المخدرات ليست مشكلة طبية بحتة ولا هي نفسية.. خالصة ولا مشكلة اجتماعية من اولها الى اخرها.. ولا هي أمنية فقط، وليست قانونية فحسب، ولا اقتصادية تماما ولا أخلاقية.. بل يمكن القول بأنها كل هذا مجتمعا وأكثر من هذا!
دور المجتمع
وعن دور المجتمع في علاج المدمنين وتأهيلهم قال يقوم المجتمع من خلال برنامج علاجي متكامل يتناول الجوانب البيولوجية والنفسية والاجتماعية والروحية لمرضى الادمان ويقوم على تنفيذ هذا البرنامج فرق علاجية متعددة التخصصات مكونة من استشاريين واطباء نفسيين واخصائيين نفسيين واجتماعيين ومرشدين دينيين ومرشدين ثقافيين وفنيي تأهيل وعلاج بالعمل.. ويحرص المجتمع على تحقيق عدة اهداف ضمن رسالته العلاجية والوقائية أهمها الارتقاء بجودة الخدمات العلاجية وتخفيف معاناة المرضى والعمل على تقبل الأسرة والمجتمع للمريض وكذلك تأهيل المرضى للعودة الى المجتمع اعضاء فاعلين.
اما البرنامج العلاجي فيكون في عدة مراحل:
-الاولى: علاج الاعراض الانسحابية والتقييم
-الثانية: التأهيل النفسي والاجتماعي
-الثالثة: الرعاية المستمرة
ويتعامل البرنامج العلاجي مع مراحل تطور حالة كل مريض حتى يصل الى التعافي الكامل وذلك بدءا من علاج الاعراض الانسحابية والمضاعفات الصحية الناتجة عن التعاطي والتقييم الشامل المتعدد التخصصات لحالة المريض ثم بناء خطة علاجية بهدف التأهيل النفسي والاجتماعي والوقاية من الانتكاسة ويستكمل تنفيذ هذه الخطة بعد خروج المريض من الاجنحة الداخلية من خلال المتابعة بمركز الرعاية المستمرة والالتحاق بأحد جماعات المساندة الذاتية كما يمكن ان يقيم المريض بدار الاقامة (منزل منتصف الطريق) اذا اقتضت حالته ذلك اضافة الى التسهيلات الصحية وتأمين المعالجة الميسرة من قبل الدولة التي تحد من الضغوط النفسية والمادية وتؤمن تعاون الاسرة الكلي.
الكبتاجون يدمر المخ
أثبتت دراسة أجريت بمجمع الأمل للصحة النفسية بالدمام شاركت فيها المديرية العامة للشؤون الصحية بالمنطقة الشرقية حول الآثار الناتجة من تناول حبوب الكبتاجون وأسباب طول فترة العلاج ان هذا العقار أو حبوب الكبتاجون لا توجد شركات معترف بها لتصنيفها بل يتم انتاجها في أماكن مشبوهة ولا تخضع لأي مواصفات قياسية حيث يتم خلطها بمواد مختلفة حيث أسفر تحليل كامل لعينات مختلفة من اقراص الكبتاجون عن نتائج هامة تتلخص في وجود مادة (الافيدرين) مع الافيتامين.. حيث ان تناول الافيتامين مع الافيدرين يؤدي الى تدمير مراكز نهاية الأعصاب المركزية للسيروتونين بالمخ مما ينتج عنه اعاقة مستديمة، كما هو الحال عند تناول الافيتامين مع نبات «القات» المحتوي على مادتي الكاتين (نوراسبيد وافيدرين) والكاثينون تحدث له نفس الاعاقة.
متعاطي الكبتاجون تكون شكوكه زائدة نحو الأسرة والآخرين كما انه يصبح حساسا لبعض العبارات والكلمات التي يطلقها بعض الزملاء أو الأقارب ويفسرها في غير محلها مما تؤدي بمعظمهم الى ارتكاب الجرائم مثل القتل.
204 آلاف سعودي يتعاطون السموم.. وزيادة 30 % بين الشباب والفتيات في عامين
مدمنو المخدرات.. «حفرة جهنم» تحرق برامج الإقلاع.. و«الأمل»
10 يونيو 2007 - 19:12
|
آخر تحديث 10 يونيو 2007 - 19:12
تابع قناة عكاظ على الواتساب
محمد النوساني (جدة)