قدَّمت بهيّة ساقها اليمنى إلى الأمام قليلا، بينما وضعت يدها اليسرى على خصرها، ثم بدأت في عزف تقاسيم متصلة من الردح المنفرد على أحد المقامات ذات النوتة العالية (وإذا كان نسيتوا اللي جرى هاتوا الدفاتر تتقرى).
الردح في اللغة العربية، هو تثبيت الخصم، وعادة ما يكون موجها للشخص نفسه و ليس لما قال، ويبدو أن البعض يعتقد أنه فن من فنون الأدب العربي يختلف عن الهجاء في أن الشتم فيه عام دون تخصيص، لكن الردح له طقوسه في طريقة الوقوف ونبرة الصوت كما أن له مؤثراته البصرية، حيث تقف الرداحة التي يمكن تأجير خدماتها وقفة قائد الأوركسترا وهي تحرك يدها اليمنى في الهواء، وتصيغ إبداعاتها في مقطوعة سيمفونية قديمة، لكنها متجددة دائما.
التطور الهائل لتقنية الاتصالات نقل الردح من ناصية الحارة في المسلسلات الشعبية إلى استديوهات التلفزيونات العربية، حيث أصبحت البرامج الحوارية حلبته المفضلة، فما إن يعلن المذيع الأنيق بداية الجولة الأولى للمصارعة (عذرا، للحوار) حتى ينقض الضيفان على بعضهما، ثم يأتي دور مكالمات المشاهدين التي تصب مزيدا من الحنق على من يخالفهم الرأي، أو في حالة البرامج الرياضية ينصب الردح على لاعبي ومشجعي الفرق الأخرى.
ولأن فضاء تويتر أوسع، وكثير من شخصياته تختبئ بأمان خلف أسماء مستعارة، يتخلى المغرد عما يمكن أن يبطئ من تهوّره كالعيب والحرام وما لا يليق، ثم يجنح بخيله لينشر غباره في كل الاتجاهات، والطريف أن معرّفه قد يكون لسانك حصانك.
محطتنا الأخيرة و المفضلة، هي قناة الردح والردح الآخر، فهنا تصل حرية الرأي إلى آفاق لا حدود لها، فيمكن للضيف أن يختار السلاح الذي سيثبت فيه خصمه، والذي يتفاوت من كأس الماء البارد الذي أمامه إلى الكرسي الدوار الذي يجلس عليه، و يذكّر الخصم بماضيه الأسود وهو يقول له مطوحا بكلتا يديه في الهواء (وإذا كان نسيتوا اللي جرى هاتوا الدفاتر تتقرى).