يصل المسافر اليوم إلى مدينة ربما لم يزرها من قبل، لكنه يعرف الطريق من المطار إلى الفندق، وشاهد غرفته، وقرأ آراء نزلائها، وحدد المطاعم القريبة، وحفظ مواقع المعالم، وربما تجول افتراضياً في الشارع قبل أن تطأه قدماه. الرحلة تبدأ على الشاشة قبل الإقلاع، وعندما يصل الجسد إلى المكان تكون العين قد سبقته إليه.

غيّرت الخرائط الرقمية والتقييمات ومنصات الحجز معنى السفر بصورة عميقة. الضياع الذي كان جزءاً من الحكاية، أصبح مشكلة يمكن تجنبها، والمطعم الذي كان يُكتشف بالمصادفة أصبح رقماً وتقييماً وصوراً وقائمة طعام يمكن فحصها قبل فتح بابه.

وتكشف دراسة رقمية لتطبيقات سياحية، شملت 27,713 مسافراً في 33 دولة ومنطقة، أن 66% يعتزمون استخدام التقنية لاتخاذ قرارات أكثر وعياً والعثور على تجارب أصيلة، فيما أبدى 41% اهتماماً باستخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد رحلاتهم. والأكثر دلالة، أن 67% يأملون في الاستعانة بالتقنية للعثور على أماكن أقل ازدحاماً.

حتى «المكان السري» دخل المعادلة الرقمية؛ إذ قال 44%، إنهم سيتجنبون تحديد مواقع الوجهات الأقل شهرة على وسائل التواصل خشية تدفق الزوار إليها. مفارقة تختصر المشهد: نستخدم التقنية لاكتشاف المكان، ثم نحاول حمايته من التقنية ذاتها.

أما التقييمات، فقد تحولت من رأي مساعد إلى عنصر مؤثر في القرار. وأظهرت دراسة سابقة، أن 72% من المشاركين يقرأون التقييمات دائماً أو كثيراً قبل اختيار مكان للإقامة أو الطعام أو نشاط، وترتفع النسبة إلى 81% عند حجز الإقامة.

المكسب واضح؛ وقت أقل يضيع، ومفاجآت سيئة أقل، وقدرة أكبر على التخطيط. لكن الثمن أكثر هدوءاً؛ تقل مساحة المصادفة، ونقترب من الأماكن محملين بصور وآراء الآخرين.

هكذا أعادت الخرائط الطمأنينة إلى السفر، لكنها نزعت منه شيئاً من الغموض. أصبح الوصول أسهل بكثير، فيما أصبحت الدهشة تحتاج إلى قرار متعمد؛ أن نغلق الشاشة أحياناً، ونترك للمدينة فرصة أن تعرّفنا بنفسها.