شكلت سفينة غارقة عمداً في المحيط الأطلسي طرف الخيط الذي قاد المخابرات الأوروبية لتوجيه ضربة قاصمة لأكبر إمبراطورية مالية سرية في عالم الجريمة المنظمة، والمعروفة بـ«بنك دبي»، وهي كيان إجرامي لا علاقة له بالسلطات الإماراتية بل اسم أطلقه المحققون على شبكة مالية سرية غير رسمية جرى استخدامها من قبل جماعات إجرامية لتمويل عمليات تهريب المخدرات وتحويل عائداتها. بدأت القصة حين فضل طاقم سفينة الشحن «نيهير» إغراقها قبالة سواحل إسبانيا هرباً من الاعتقال، ليتبين لاحقاً أن حطامها يخفي أطناناً من الكوكايين، ما دفع المحققين لتتبع مسار التمويل الضخم الذي يملك القدرة على التضحية بسفن بأكملها لإخفاء شحناته.

تحالف الأباطرة داخل «القصر الذهبي»

ووفقاً لتقرير صادر عن مشروع مكافحة الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP)، فإن تحقيقات عملية DRAKKAR العابرة للقارات قادت إلى استنتاج صادم، يتمثل في أن كبار تجار المخدرات أسسوا نظامهم المصرفي الخاص بهم بعيداً عن رقابة الدول. وتكشف سجلات المخابرات الأوروبية أن هذا الكيان السري أدار العمليات المالية والتحويلات المصرفية لصالح أربعة من أعتى الأباطرة الذين اتخذوا من دبي مقراً لإدارة عملياتهم:

  • «النمر»: أليخاندرو سالغادو، أكبر تاجر كوكايين في إسبانيا والمسؤول اللوجستي.
  • «بابلو إسكوبار السويد»: يوانس فالك، مهندس نقل أطنان السموم من أمريكا الجنوبية إلى قلب أوروبا.
  • «سبارتان»: البريطاني المكلف باستيراد الشحنات وربط الخيوط.
  • «بوكر فيس»: الكولومبي المورد الرئيسي والمتحكم في البضاعة من المنبع.

«بدون هذا التمويل البنكي السري، ما كان من الممكن نقل هذه الشحنات المليارية»، هكذا لخصت إنكارنا أورتيجا رئيسة مفتشي مكافحة غسيل الأموال بإسبانيا، خطورة الكيان الذي وقفه على رأسه بعد تحويله إلى رم مصرفي إجرامي، رجل غامض يُلقب بـ«العم»، والذي أسس «بنك دبي» كما أطلق المحققون على هذا المصرف الوهمي الافتراضي الذي لا علاقة له بالإمارات العربية المتحدة. وداخل المصرف الافتراضي أدريت عمليات التمويل من قبل المؤسس معتمداً على نظام هجين فائق الذكاء، يدمج بين «الحوالات» التقليدية القائمة على ثقة وسطاء دوليين، وأحدث تقنيات العملات المشفرة (Crypto) لتسوية المعاملات العابرة للحدود فورياً ودون ترك أي أثر ورقي.

وبعد أشهر من تعقب الرموز الرقمية بواسطة فرقة TOKEN التابعة لـ«يوروبول» ووكالة DEA الأمريكية، انطلقت ساعة الصفر بعمليات دهم متزامنة في إسبانيا، وبالتنسيق مع السلطات في الإمارات ومصر وهولندا والسويد وبريطانيا وبلجيكا. وأسفرت العملية عن اعتقال 21 متهماً، فيما لا يزال 13 آخرون هاربين بموجب النشرات الحمراء. ولم يقتصر السقوط على القيادات، بل صودرت أصول خيالية تجاوزت 20 مليون يورو لتمويل حياة البذخ الفاحش، ضمت 48 عقاراً فاخراً، وأسطول سيارات رياضية بقيمة 1.6 مليون يورو، وتجميد 121 حساباً بنكياً، فضلاً عن مجوهرات وساعات وحقائب ألماسية تجاوزت قيمتها نصف مليون يورو، لتُكتب بذلك النهاية الرسمية لـ«بنك دبي» أهم الملاذات الرقمية لملوك الكوكايين.