تحتفظ الذاكرة الإعلامية بأسماءٍ صحفية لا تنطفئ برحيل أصحابها، نستذكرها في هذه الزاوية لأنها صُنعت من قربٍ صادق من الناس لا من صخب المشهد، ومن بين تلك الأسماء الزميل الصحفي الراحل أحمد مكي؛ بوصفه واحداً من الكتّاب الذين انحازوا إلى التفاصيل الإنسانية فصارت كتابتهم امتداداً لحياةٍ عاشوها بصدق. لم يكن حضوره مجرد ممارسةٍ مهنية عابرة، بل تجربة إنسانية هادئة تركت أثرها في الوسط الاجتماعي والإعلامي معاً، وبقيت سيرته شاهداً على معنى الكتابة التي تُلامس الإنسان قبل أن تبحث عن الظهور.

ارتبط اسم مكي بعلاقةٍ إنسانية شفافة مع محيطه؛ قريباً من الناس دون تكلّف، منصتاً لهمومهم، ومؤمناً بأن الصحفي الحقيقي يُقاس بقدر فهمه للمجتمع لا بحجم حضوره في الضوء. هذا القرب انعكس بوضوح على نصوصه التي حملت بساطة الرؤية وصدق التجربة، فبدت كتابته امتداداً طبيعياً لعلاقاته الإنسانية، وهو ما منح صوته قبولاً وتأثيراً داخل الوسط الذي عاش فيه وكتب عنه.

وخلال مسيرته الصحفية عمل في صحيفة «عكاظ»، مقدّماً زاويتين بعنوان «وجوه الخير» و«غير معقول»، وقد لاقتا اهتمام القرّاء لما حملتاه من احتفاءٍ بالجوانب المضيئة في المجتمع، وتأملٍ نقدي هادئ للمفارقات اليومية بلغةٍ رشيقة تميل إلى الصفاء أكثر من الزخرفة.

كما قدّم مقالات اجتماعية متعددة عكست حسّه الاجتماعي ونظرته المتوازنة للحياة، فترسّخ حضوره بوصفه كاتباً يرى في الكلمة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مساحة رأي.

برحيل أحمد مكي فقد الوسط الصحفي صوتاً إنسانياً ظل وفياً لرسالته حتى آخر الطريق، غير أن الأثر الذي تركه في وجدان القرّاء يبقى شاهداً على تجربةٍ آمنت بأن القرب من الناس هو الطريق الأقصر إلى البقاء، وأن الكتابة الصادقة قادرة، بهدوءٍ كامل، على أن تعيش أطول من زمن أصحابها.