لم يكن طبيب الغدد الصماء الأرجنتيني دييغو شفارتسشتاين يتخيل أن الطفل قصير القامة، هزيل الجسد، الذي جاءه في تسعينيات القرن الماضي بحثاً عن بصيص أمل لزيادة نموه من أجل تحقيق حلمه في احتراف كرة القدم، سيحطم يوماً ما أقوى دفاعات العالم، ويتفوق على أباطرة الساحرة المستديرة. صحيح أنه كان يعرف أن اسمه ليونيل ميسي، لكنه لم يكن يتوقع أن ذلك الطفل سيصبح أحد أعظم اللاعبين في تاريخ كرة القدم.

وكان شفارتسشتاين صاحب الفصل الأهم في حياة ميسي، إذ كانت مسيرة البرغوث مع كرة القدم مُهددة بالانتهاء قبل أن تبدأ بسبب معاناته من نقص هرمون النمو، لكن تلقيه العلاج في الوقت المناسب أنقذ مسيرته، ومنح عشاق اللعبة فرصة الاستمتاع بموهبة قد لا تتكرر.

وفي حوار خاص مع «عكاظ»، تحدث شفارتسشتاين عن مرحلة علاج ميسي من نقص هرمون النمو خلال لعبه في نادي نيولز أولد بويز الأرجنتيني، وكيف تعامل اللاعب مع المرض، وتأثير العلاج على مسيرته، وانعكاس قصة ميسي على مسيرته المهنية كطبيب.

• في البداية.. بماذا شعرت في بداية مرحلة علاج ميسي؟

•• لم يكن هناك شعور خاص، لقد كنت أتعامل معه كمريض كبقية المرضى الآخرين؛ طفل يعاني من قصر القامة، وجاء للاستشارة لمحاولة تحسين طوله، وهو أمر لا نتمكن دائماً من تحقيقه، لم يكن أمامي أفضل لاعب كرة قدم في العالم أو الأعظم في التاريخ، بل كان أمامي صبي صغير يعاني من قصر القامة ويبحث عن المساعدة لحل مشكلته، هذا كل ما في الأمر، لذا، شعرت تجاهه بما أشعر به تجاه كل مريض من مرضاي: الرغبة في مساعدته، والامتنان للثقة التي يضعونها في شخصي.

كان ليونيل طفلاً طبيعياً تماماً، ولم يكن هناك أي اختلاف بينه وبين أي طفل آخر؛ كان هادئاً، وخجولاً، وعاشقاً لكرة القدم، ومؤدباً جداً، ولم يختلف في شيء عن أقرانه، ولو عاد بي الزمن إلى الوراء، أو كنت أعلم أنه سيصبح الأفضل في التاريخ، فبكل تأكيد كنت سألتقط معه بعض الصور، في تلك الحقبة لم تكن الهواتف مزودة بكاميرات كما هي اليوم، لكن لو سنحت لي الفرصة لكنت التقطت بعض الصور في مكتبي مع من سيصبح أفضل لاعب في العالم وهو لا يزال طفلاً.

• كيف تعامل ميسي مع المرض؟ وما الذي كان يشغل باله خلال فترة العلاج؟

•• مثل أي طفل عندما تخبره بأن لديه مشكلة تتعلق بنموه وأنك ستعطيه علاجاً لمساعدته على حلها، ينتابه شعور متناقض، فمن ناحية، يشعر بالإحباط الذي يشعر به أي شخص عندما يُقال له إن لديه مشكلة أو صعوبة صحية ما، ومن ناحية أخرى، كان يشعر بالبهجة أو الأمل لمعرفته بأنه قادر على حل هذه المشكلة، وأن هذا الأمر الذي كان يزعجه (وهو قصر قامته) سيتلاشى في النهاية من حياته.

كان سؤاله يدور حول ما إذا كان سينمو بالقدر الكافي ليصبح لاعب كرة قدم محترفاً، كان هذا مصدر قلقه، وأجبته بأنه سيتمكن من ذلك، وطلبت منه أن يطمئن، لأن كل المؤشرات كانت تدل على أنه سينمو ويتمكن من اللعب بشكل احترافي، لم يكن هناك أي شك لا من جانبهم ولا من جانبي بشأن نجاح العلاج، لأنه عندما يتم تشخيص المرض بدقة وتحديد علاجه بشكل صحيح، مع الجرعة المناسبة وفي الوقت الملائم، يكون علاجه ناجحاً، ومن النادر جداً ألا يحقق النتائج المطلوبة، لذلك لم تكن هناك أي شكوك لدى أي طرف، كما أن هذا العلاج يُحتمل بشكل جيد جداً، ولم تشهد حالته أي آثار جانبية أو مضاعفات أثناء العلاج.

• ماذا كان سيحدث لو تأخر ميسي في تلقي العلاج أو لم يتلقه؟

•• لا أتذكر طول ميسي بدقة في بداية مرحلة العلاج، كان نحو 125 أو 127 سنتيمتراً، أما الآن فيبلغ طوله 170 سنتيمتراً، وذلك لأن العلاج كلما بدأ مبكراً كانت نتائجه أسرع وأفضل، بدأه ميسي في سن التاسعة، وهو وقت مبكر ومناسب جداً، وكانت استجابته ممتازة، ولو بدأ العلاج قبل ذلك، لما كانت النتائج ستصبح أفضل بكثير، أما لو بدأه في وقت متأخر، فإن الأمر يعتمد على مدة التأخير؛ فإذا تأخر ستة أشهر أو سنة فلن يتغير شيء، لكن إذا بدأ العلاج قريباً من سن البلوغ أو بعد بدايته، فإن الاستجابة تكون أقل بكثير، وفي حالة ميسي، بدأ العلاج في الوقت المناسب.

لو لم يتلق ليونيل العلاج لكانت قامته أقصر بكثير مما هي عليه الآن، لا توجد أدلة قائمة على فرضيات مغايرة للواقع يمكنني من خلالها تحديد طوله بدقة، لكن يمكننا التنبؤ بأنه كان سيكون أقصر بنحو 15 سنتيمتراً تقريباً، هل كان سيمارس كرة القدم أم لا وهو أقصر بـ15 سنتيمتراً؟ لا أحد يعلم ذلك، أنا أعتقد -وليس هناك دليل على هذا، بل هو مجرد تخمين شخصي- أنه كان عبقرياً لدرجة أنه كان سيمتلك القدرة على اللعب بأي طول كان، لكنني لا أعلم ما إذا كان بطول يقل بـ15 سنتيمتراً، ورغم جودته العالية، سيتمكن من اللعب في مستويات النخبة كما فعل طوال هذه السنوات العديدة، لذلك، تظل الإجابة عن هذا السؤال حدسية للغاية ولا تستند إلى أدلة تدعمها.

• ماذا لو استمر ميسي في تلقي العلاج لفترة أطول؟

•• لا شيء، لأن العلاج يُعطى فقط حتى تنتهي مرحلة النمو الطبيعية للجسم، وبعد ذلك لا تكون هناك أي فائدة من الاستمرار فيه، لأنه لن يقدم أي نتائج إضافية.

• كيف أثرت قصة ميسي على مسيرتك المهنية؟

•• البعض يتفاجأ، والبعض الآخر يعرف ذلك، لأن محرك البحث «قوقل» يتيح هذه المعلومات بسهولة، أما تأثير ميسي على مسيرتي المهنية، فقد منحني بلا شك ظهوراً إعلامياً، فكونك طبيب ميسي يمنحك رواجاً كبيراً، لكن بالنسبة لي، كان ميسي مريضاً كبقية المرضى، والأمر الاستثنائي هو ما صنعه هو بنفسه في مسيرته الكروية، أما دوري فاقتصر على مساعدته على النمو عندما كان طفلاً، كما فعلت مع عدد كبير من الأطفال الآخرين الذين لم يصبحوا لاعبي كرة قدم مشهورين.

• ما الذي تود أن تقوله لميسي اليوم؟

•• أود أن أقول له إنني فخور جداً بكوني كنت جزءاً صغيراً جداً من حياته، وبأنني قدمت مساهمة بسيطة لمساعدته على النمو حتى يُظهر للعالم موهبته الكروية الفذة، وأقول له: شكراً لك على كل اللحظات السعيدة التي منحتنا إياها، وشكراً لك على كرة القدم التي قدمتها، وأخيراً أود فقط أن أعانقه.

• متى كانت آخر مرة التقيته؟ وكيف هي علاقتك بعائلته؟

•• آخر مرة تحدثت فيها مع ليو كانت قبل بضع سنوات، عندما ذهبت في رحلة سياحية إلى برشلونة، ومررت عليه لإلقاء التحية في مقر النادي، وقضينا بعض الوقت معاً، أما علاقتي بعائلته، خصوصاً مع والده خورخي، فهي علاقة ودية للغاية، وإن لم تكن صداقة بالمعنى الدقيق، نتحدث معاً بانتظام، وهو شخص رائع وممتن جداً لما حدث قبل سنوات طويلة، باختصار، تجمعنا علاقة طيبة للغاية.

• ما هي اللحظة الأكثر تميزاً لك مع ميسي؟

•• اللحظة الأكثر تميزاً كانت عندما أصبح نجماً عالمياً، كان يخوض فترة التعافي وإعادة التأهيل في أحد ملاعب التدريب بمدينة روساريو، وكان ابني يبلغ من العمر سبع أو ثماني سنوات، وكان يعشق ميسي بجنون، اتصلت بليو، فرحب بزيارتنا، وأخذت ابني للقائه وقضاء بعض الوقت معه في ملعب التدريب، كانت لحظة رائعة للغاية، ثم التقيناه بعدها مرتين أو ثلاث مرات، لكن تلك الذكرى بقيت الأكثر تميزاً بالنسبة لي.