أتابع منذ أكثر من شهر لغةً صحفية خرجت في مضمونها عن منطق الحجة بالحجة، واتجهت -للأسف- إلى خطاب غلب عليه الوعيد والتحذير، في قضية رياضية كانت محل خلاف وجدل، أثارها الزميل محمد القدادي عبر حديث مرئي في إحدى منصات التواصل الاجتماعي.
- وعلى إثر ذلك، نشر زميلنا الصحفي المخضرم صالح العمودي سلسلة من المقالات استعاد فيها، بأسلوبه المؤثر، ذكريات مهمة لرائد الحركة الرياضية السعودية الأمير عبدالله الفيصل -يرحمه الله-، وهي ذكريات وثّقها في كتاب، كان من بينها ما يثبت أن المعلومات التي نسبها القدادي إلى الأمير لا أساس لها من الصحة، جملةً وتفصيلاً.
- هذه الذكريات، بما احتوته من حقائق تاريخية، لقيت ردود فعل واسعة، غلب عليها الارتياح والاحتفاء، لما مثلته من كنز تاريخي ثري بالمعلومات. وقد نجح العمودي، بامتياز، في اختيار التوقيت المناسب للكشف عن جانب من هذا الإرث، وإخراجه إلى النور بعدما ظل حبيس كتاب لم يرَ النور بعد، فكانت فرصة ثمينة لكشف جوانب جميلة وغير معروفة من شخصية الأمير الراحل، لتبقى ذكرى طيبة بعد وفاته، ومدونة في ذاكرة الجيل الحالي والأجيال القادمة.
- ومن بين ردود الأفعال التي تابعتها، برزت ردة فعل أهلاوية مضادة، وهذا أمر طبيعي ومتعارف عليه، شريطة أن تسلك الطريق الصحيح في الحوار؛ أي أن تواجه الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، وأن تقدم الأدلة التي تنقض ما ورد في كتاب موثق، لم يصدر بعد، وقد أوضح مؤلفه ممن تشرف بثقة الأمير عبدالله الفيصل أسباب ذلك.
- أما أن تتحول ردة الفعل إلى خطاب صاخب، تغلب عليه لغة الوعيد والتهديد والتحذير، مع المطالبة الموجهة لأكثر من جهة بمنع نشر ما يتضمنه ذلك الكتاب، فهذه سابقة. والأكثر غرابة أن يصل الأمر إلى تكذيب حقائق تاريخية كان الأولى أن تلقى الترحيب والتقدير، خاصة أن الكاتب حرص في كل مقال على أن يقدم الأمير عبدالله الفيصل بكل ما يستحقه من تقدير، مشيداً بجمال شخصيته، وتواضعه، وتاريخه الثري، بوصفه كنزاً وطنياً توثيقياً حصل عليه من شخصية عظيمة كان لها أثرها في مسيرة وطن عظيم.
- كنت أتمنى، بدلاً من اللجوء إلى لغة لم تعد مقبولة، الاتجاه إلى منطق الحوار والاستناد إلى حقائق موثقة صوتاً وصورة تفند عدم صحة ما صدر في ذلك الكتاب.
فنحن -ولله الحمد- نعيش في عهد رسّخ مبدأ المساواة بين المواطنين، وأصبحت حقوق الجميع مصونة أمام النظام، ومن كان له حق كفلته الأنظمة والقوانين التي تضمن له الوصول إليه كاملاً، بعيداً عن لغة الترهيب والوصاية ومحاولات المصادرة.
- كان بمقدوري ذكر اسم من أعنيه بهذا الرأي الذي آمل أن يتسع صدره ويتقبل ما فيه بروح رياضية، ولكن فضلت التعامل بالمثل وبطريقة محرر كاتب صحفي أشرت إلى أخطائه المتكررة هنا في صحيفة عكاظ الغراء -حيث تعاملت إدارة التحرير ومدير التحرير للشؤون الرياضية مع الجميع بمهنية- إذ فضل ذلك المحرر الكاتب استخدام أسلوب التلميح لا المواجهة المباشرة ولم يكن في نفس الوقت «الناصح الأمين» لمن أحسنوا الظن فيه، ووضعوا ثقتهم فيه، مع أنني هنا كنت صادقاً معه ومع غيره في أكثر من مقال، وقدمت له النصح الواضح، إلا أنه أبى واستكبر ماضياً في النهج نفسه فكان لا بد لي من هذا المقال لعل وعسى.
-ختاماً.. سيبقى التاريخ شاهداً لا يكتبه التهديد، ولا تمحوه لغة الوعيد، وإنما تصنعه الوثائق، وتحفظه الأمانة، ويُنصفه الزمن. والله الهادي إلى سواء السبيل وهو المستعان.


