عشية الذكرى الثالثة لـ7 أكتوبر، رفعت إسرائيل مستوى التأهب في غزة في الساعات القليلة الماضية تحسباً لهجمات محتملة في ذكرى الهجوم. الأمر يعكس واقعاً أوسع من إجراء أمني: فبعد ثلاث سنوات من الحرب، لم تصل المنطقة إلى نقطة يمكن عندها التعامل مع نتائج ما جرى في هذا اليوم باعتبارها نهائية، فيما لا تزال المواجهة قابلة للتجدد، والأسئلة التي فجّرها ذلك اليوم مفتوحة.


المنطقة تغيّرت.. لكن لم تستقر بعد


فالحرب لم تبق في حدود المواجهة التي بدأت منها. توسعت دوائرها، وتبدلت طبيعة الاشتباك، وتدخلت قوى دولية بصورة مباشرة، وسقطت افتراضات كانت تحكم التعامل مع أمن المنطقة. لكن الانتقال من واقع إلى آخر لم يكتمل. صحيح أن ما حدث كان كافياً لتقويض ترتيبات قديمة، لكنه لم يكن كافياً بعد لبناء ترتيبات جديدة قادرة على الصمود. وهذا هو الفارق بين تغيير الوقائع وتغيير النظام.


فالوقائع يمكن أن تتغير بسرعة تحت تأثير الحرب، أما النظام الإقليمي فيحتاج إلى تفاهمات وحدود نفوذ وترتيبات أمنية وسياسية وقواعد يتعامل معها الخصوم قبل الحلفاء باعتبارها مستقرة. وهذه الشروط لم تكتمل بعد.


ملفات عدة لا تزال عالقة


لذلك يجد الشرق الأوسط نفسه اليوم واقفاً في منطقة رمادية بين مرحلتين: لم يعد إلى الوضع الذي كان قائماً قبل 7 أكتوبر، ولم يصل أيضاً إلى مرحلة يمكن معها تحديد شكل النظام الذي سيحل مكانه. وحيثما تحقق وقف إطلاق النار، فإنه لا يجيب تلقائياً عن سؤال اليوم التالي.


في غزة، أوقفت التفاهمات جانباً من القتال، وأُنجزت خطوات في ملف الرهائن والأسرى، لكن الملفات التي يفترض أن تنقل القطاع من الهدنة إلى التسوية لا تزال عالقة: السلاح، الانسحاب الإسرائيلي، إدارة القطاع وإعادة إعمارها. وحتى الخطة الأمريكية التي دخلت عامها الثاني لم تتمكن من تجاوز هذه العقد، فيما تستمر الضربات وتبقى القوات الإسرائيلية مسيطرة على مساحة واسعة من القطاع. وهذا يكشف مشكلة أوسع من غزة نفسها: المنطقة وصلت إلى مرحلة أصبح فيها وقف الحرب أسهل من الاتفاق على ما سيأتي بعدها.

خلاف على شكل الترتيبات


فالخلاف اليوم هو على شكل الترتيب الذي يجب أن يولد من وقف إطلاق النار: من يضمن الأمن؟ من يملك القرار؟ ما حدود الانسحاب؟ وكيف تُدار المناطق التي خضعت للسيطرة العسكرية؟ وما الضمانات التي تمنع العودة إلى المواجهة؟ هذه الأسئلة لا تخص جبهة غزة وحدها، ولذلك يصعب فصل مسار عن آخر. فما يجري في كل ساحة بات مرتبطاً بمن يحدد قواعد الأمن في المنطقة، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى صاحبة الدور الحاسم في رسمها، وكيف ستتعامل القوى الإقليمية كالخليج ومصر وتركيا مع هذا الدور.


نتائج المواجهة بين واشنطن وطهران


وفي قلب هذا المشهد، فإن ما ستؤول إليه المواجهة بين واشنطن وطهران يبقى عاملاً أساسياً في تحديد اتجاه المرحلة القادمة. فالمسائل العالقة بين الطرفين، من البرنامج النووي والعقوبات إلى أمن الملاحة وترتيبات الأمن الإقليمي، لم تصل بعد إلى صيغة نهائية، ويجعل الحديث عن شرق أوسط جديد سابقاً لأوانه، ليس لأن شيئاً لم يتغير، بل لأن الكثير تغير دون أن يتحول بعد إلى نظام.


بعد ثلاث سنوات، يبدو أن 7 أكتوبر فعل شيئاً واضحاً: أنهى صلاحية كثير من الافتراضات التي كانت تحكم الشرق الأوسط لكنه لم يقدم حتى الآن بديلاً مستقراً عنها. فمتى تتوقف هذه المرحلة الانتقالية، ومن سيضع القواعد التي ستأتي بعدها؟