نجحت واشنطن وطهران في الوصول إلى لحظة التوقيع، غير أن الوصول إلى اتفاق لا يعني بالضرورة الوصول إلى السلام، كما أن التفاهم بين الخصمين لا يعني بالضرورة قبول الآخرين به.

فكل اتفاق أو تسوية كبرى في المنطقة تولد ومعها تصدعاتها، إذ تخلق في اللحظة نفسها جبهتين: قوى تستثمر في نجاحها، وأطراف ترى في صمودها تهديداً لوجودها الإستراتيجي، وفي كثير من الأحيان لا يكون الخطر الحقيقي على الاتفاق آتياً من الأطراف التي وقّعته، بل من الأطراف التي لم توقّعه.

ومن هنا تبدو الأسئلة التي ستلي التوقيع أكثر أهمية من التوقيع نفسه، فمن سيبادر إلى اختبار حدود الاتفاق؟ ومن سيعتبره تهديداً لمصالحه الإستراتيجية؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل حادثة أمنية محدودة أو اشتباك أو خلاف على تفسير بند من بنوده إلى شرارة تعيد المنطقة إلى نقطة الصفر؟

ثغرات في اليوم الأول

منذ اللحظة التي تصبح فيها مذكرة التفاهم سارية المفعول، ستظهر ثلاثة اختبارات أساسية قد تحدد مصيرها، فالمشكلة لا تكمن في ما اتفق عليه الطرفان، بل في كيفية ترجمة ذلك على الأرض، حيث تبدأ الحسابات السياسية بالتقاطع مع الوقائع الميدانية: أولاً، معضلة الرقابة والتحقّق المتبادل، فبينما تسوق واشنطن التفاهم داخلياً كـ «أداة اختبار صارمة» لنيات طهران، يصعب عملياً فصل التعهدات التقنية في الغرف المغلقة عن حركة الفصائل على جبهات الخريطة. ثانياً، أزمة التفسير لمفهوم «خفض التصعيد»، حيث تقرأه الإدارة الأمريكية كحالة جمود شاملة واستقرار للممرات المائية، بينما تراه إيران اعترافاً ضمنياً بنفوذها الإقليمي، وفرصة لإعادة التموضع الميداني وتغيير قواعد الاشتباك. ثالثاً، التلازم المعقّد بين المسارين الاقتصادي والأمني، فأي تلكؤ أمريكي في ترجمة رفع العقوبات عملياً بسبب تعقيدات الكونغرس، سيقابله فوراً تراجع إيراني سريع عن الالتزامات التقنية.

اختبار الـ60 يوماً

لا تقتصر تحديات المذكرة على تنفيذها الميداني، إذ إن التوقيع لا يغلق باب التفاوض بل يفتحه على مصراعيه. فالمذكرة تؤسّس لمسار تفاوضي يمتد 60 يوماً يُفترض أن يعالج أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، من آليات الرقابة والتحقّق إلى الترتيبات الاقتصادية والأمنية طويلة الأمد. وهنا تكمن مفارقة أساسية: فالطرفان نجحا في الاتفاق على إطار عام، لكنهما لم ينجزا بعد التوافق الكامل على تفاصيله. ولذلك قد تتحوّل الأسابيع القادمة إلى ساحة تفاوض لا تقل صعوبة عن الأشهر التي سبقتها، خصوصاً إذا ظهرت خلافات حول تفسير الالتزامات أو توقيت تنفيذها أو حجم المكاسب المتبادلة.

رهانات الصمود

ورغم حجم الشكوك، لا يمكن تجاهل وجود عوامل قد تساعد هذا التفاهم على الصمود، فهذه ليست مرحلة يبحث فيها الطرفان عن تسجيل نقاط سياسية، بل مرحلة يحتاج فيها كل منهما إلى الاستقرار أكثر مما يحتاج إلى التصعيد.

واشنطن بحاجة قصوى إلى تجميد جبهات الشرق الأوسط المتفجرة لتمرير استحقاقاتها الداخلية والتفرغ لصراعات إستراتيجية دولية أخرى، ولن تسمح بسهولة لأي طرف إقليمي بتقويض هذا الإنجاز الدبلوماسي.

ومن جهتها، تدرك طهران، المحكومة بحسابات اقتصادية، أن الحفاظ على المكاسب والتدفقات المالية المترتبة على هذا التفاهم يتطلب إبداء براغماتية عالية، وقدرة حقيقية على ضبط إيقاع المنطقة العام لمنع أي مواجهات ميدانية غير محسوبة قد تطيح بالمذكرة كاملاً.

ومع وجود دوافع التهدئة هذه، تظل مخاوف التصدّع قائمة بقوة، وتتمحور حول رغبة وقدرة الأطراف التي تقع خارج غرف الاتفاق على اختبار حدوده على طول خطوط التماس الجغرافية:

إسرائيل واختبار حدود التفاهم

تبدو تل أبيب الطرف الأكثر اندفاعاً وجاهزية للتحرك الفوري، فهي ترى في توقيع المذكرة خطراً يمنح إيران شرعية إقليمية وأموالاً طائلة ستتدفق لتعزيز بنيتها العسكرية على حدودها دون تفكيك جوهري لقدراتها التقنية.

لذلك قد لا تنتظر إسرائيل طويلاً لمعرفة النتائج، فكلما شعرت بأن التفاهم يمنح طهران هامشاً أوسع للحركة، ازدادت احتمالات العودة إلى أدوات الضغط التقليدية، من العمليات الأمنية إلى الهجمات السيبرانية، وصولاً إلى محاولات دفع الطرفين نحو مواجهة تعيد خلط الأوراق.

هل تستطيع طهران ضبط حلفائها؟

على الجانب الآخر، يبرز سؤال حول مدى رغبة أو قدرة طهران على فرض انضباط كامل ومطلق على شبكة حلفائها، قد تحاول إيران الحفاظ على قنوات دبلوماسية نظيفة وملتزمة مع واشنطن، بينما تترك لفصائل معينة في العراق، أو لبنان، واليمن، هامش حركة لحماية مصالحها الذاتية والحفاظ على حضورها الميداني، الأمر الذي سيضع صدقية التزامها على المحك وينهي مفاعيل التهدئة الاقتصادية.

إن كان اليوم (الجمعة) هو يوم التوقيع، فإن الأسابيع التالية ستكون أيام الاختبار الحقيقي بالذخيرة الحية على طول الخريطة الإقليمية. بين الرهان على حاجة واشنطن وطهران للاستقرار وتجنّب الحرب الشاملة. وبين احتمالات الضربات الإسرائيلية الاستباقية أو المناورات الرمادية للوكلاء، يبقى المشهد مفتوحاً بالكامل على السيناريوهين المتوازيين. الأسابيع القليلة القادمة هي التي تملك الكلمة الفصل في تحديد ما إذا كنا أمام توازن إقليمي جديد يعيد رسم المنطقة، أم مجرد التقاط أنفاس مؤقت بانتظار عاصفة أشد عنفاً.