فرض لبنان نفسه مجدداً على جدول أعمال الشرق الأوسط، فالتطورات التي أعقبت الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية، أمس (الأحد)، ترافقت مع انفجار جولة جديدة من المواجهة بين إيران وإسرائيل، مع تصاعد التوتر بين بيروت وطهران، لتتشابك الملفات العسكرية والسياسية والدبلوماسية في مشهد واحد.


محاولة إبقاء لبنان خارج التصعيد


وفي ظل هذا الواقع، باتت الساحة اللبنانية أحد العوامل المؤثرة في مسار الصراع الإقليمي، بعدما أصبحت جزءا من شبكة المصالح والضغوط المتبادلة بين واشنطن وطهران وتل أبيب.


جاءت الغارة الإسرائيلية على الضاحية في توقيت بالغ الحساسية، بعدما سعت الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية إلى الفصل بين المسار اللبناني والمواجهة الإيرانية - الإسرائيلية، وإبقاء لبنان خارج أي تصعيد إقليمي واسع، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذا الفصل بات أكثر صعوبة، وأن أي تطور أمني كبير على الساحة اللبنانية يمكن أن ينعكس مباشرة على مسار المواجهة الأوسع في المنطقة.


مرحلة جديدة من المواجهات


وتزامن التصعيد في لبنان مع دخول الحرب بين إيران وإسرائيل مرحلة جديدة تختلف عن الجولات السابقة. فإيران انتقلت هذه المرة إلى موقع المبادرة، بعدما كانت في موقع الرد على الهجمات الإسرائيلية والأمريكية. كما أن إسرائيل وجدت نفسها أمام مواجهة تخوضها بصورة أكثر استقلالية، في ظل حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على تجنب الانخراط المباشر في حرب جديدة، والتركيز على مسار التفاوض مع طهران.


وفي موازاة التطورات العسكرية، برز البعد السياسي للأزمة من خلال التوتر غير المسبوق في العلاقات اللبنانية - الإيرانية. فقد كشفت السجالات العلنية بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ومسؤولين إيرانيين حجم التباين حول موقع لبنان في الصراع الدائر. وبينما شددت الرئاسة اللبنانية على أولوية المصالح الوطنية ورفض استخدام لبنان كورقة تفاوض، أظهرت المواقف الإيرانية تمسكاً بربط الملف اللبناني بمسار المواجهة الإقليمية الأوسع.


تقاطع 3 مسارات متزامنة


وتكمن أهمية التطورات الأخيرة في أنها وضعت لبنان عند تقاطع ثلاثة مسارات متزامنة: المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحزب الله، الحرب المفتوحة بين إيران وإسرائيل، والمفاوضات المعقدة بين واشنطن وطهران. وهذا التداخل يجعل أي حدث أمني أو سياسي على الساحة اللبنانية قابلاً لإحداث تداعيات تتجاوز الحدود اللبنانية لتطال توازنات المنطقة بأكملها.


أضف إلى ذلك، أن الغارة على الضاحية حملت رسائل متعددة الاتجاهات. فهي من جهة أكدت تمسك إسرائيل بحرية العمل العسكري ضد أهداف تعتبرها تهديدا مباشرا لأمنها، ومن جهة ثانية وضعت حزب الله وإيران أمام خيارات صعبة تتعلق بكيفية الرد وحدوده، ومن جهة ثالثة وجهت اختباراً للجهود الأمريكية الرامية إلى منع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة.


وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو لبنان أكثر من أي وقت مضى جزءاً أساسياً من معادلة الشرق الأوسط الحالية. فالتطورات المتلاحقة أظهرت أن استقرار الساحة اللبنانية بات يرتبط مباشرة بمسار الحرب والمفاوضات والصراع على النفوذ في المنطقة. ومن هنا، فإن أي انفجار جديد على الجبهة اللبنانية قد يتحول إلى شرارة تدفع الشرق الأوسط نحو مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً.