أكد المستشار الإعلامي الدكتور إبراهيم المهنا لـ«عكاظ» أن التعامل مع التحولات التقنية في القطاع الإعلامي «يجب أن يتم بوعي وتدرّج، بعيداً عن الاندفاع غير المدروس».

وأشار إلى أن التجارب التاريخية تؤكد أن الوسائل الإعلامية الجديدة لا تُلغي ما قبلها، بل تُعيد تشكيلها ضمن منظومة أكثر تعقيداً وتكاملاً. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مقاومة التغيير، بل في توجيهه بما يخدم جودة المحتوى، ويحافظ على القيم المهنية والأخلاقية للإعلام.

وأضاف أن الإعلام ارتبط بالتقنية والتكنولوجيا على مرّ التاريخ ارتباطاً وثيقاً يعكس طبيعة التطور الإنساني ذاته. وقد تجلّى ذلك بوضوح منذ اختراع المطبعة ذات الحروف المتحركة في منتصف القرن الخامس عشر «التي أسهمت في إحداث نقلة نوعية في نشر المعرفة، من خلال انتشار الكتب وازدهار الصحافة المقروءة». وأنه في العصر الراهن، يتجدد هذا الارتباط مع بروز تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تعيد تشكيل بيئة الإعلام وممارساته.

ونوّه إلى أنه من الملاحظ تاريخياً أن كل وسيلة تقنية أو فكرية جديدة لا تُلغي ما سبقها، بل تُضيف إليها وتطوّرها؛ فعند ظهور الراديو وانتشاره قبل أكثر من قرن، ساد الاعتقاد بأن الصحافة الورقية ستندثر، إلا أن ذلك لم يحدث. وعندما ظهر التلفزيون بعد ذلك بعقود، توقّع البعض نهاية الراديو، غير أن هذا التوقع لم يتحقق أيضاً. ومع بروز الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ثم الذكاء الاصطناعي، تجددت هذه المخاوف بشأن مستقبل الصحافة والكتب الورقية، إلا أن التجربة التاريخية تشير إلى عكس ذلك.

واستشهد بأن مؤسسات إعلامية عريقة، مثل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية وفايننشال تايمز البريطانية، توسعت بشكل ملحوظ لتصبح منصات إعلامية متكاملة، تجمع بين النسخ الورقية والمنصات الرقمية، وحضور قوي على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى إنتاج برامج مرئية ومسموعة، وتنظيم الندوات والمؤتمرات، وإطلاق البودكاست. ويعكس ذلك قدرة المؤسسات الإعلامية على التكيّف مع التحولات التقنية بدلاً من الاندثار.

وزاد المهنا أن الأمر ذاته ينطبق على صناعة النشر؛ إذ لا تزال الكتب الورقية تحتفظ بحضورها، رغم انتشار الكتب الإلكترونية والسمعية. فعلى سبيل المثال، حققت بعض الإصدارات باللغة الإنجليزية نسب مبيعات مرتفعة في نسخها الورقية، ما يدل على استمرار الطلب عليها.

وقال: «وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تسريع انتشار المعلومات والأفكار، كما أتاحت المجال أمام الأفراد لبناء منصات إعلامية مستقلة»، مستشهدا بأنه أصبح لعديد منهم، مثل تاكر كارلسون، ملايين المتابعين، معتبراً أن ذلك يشكل جانباً إيجابياً من جهة تعزيز التعددية الإعلامية وتقليل الاعتماد على المؤسسات التقليدية.

وأكد أن المستقبل يطرح ستة تحديات جوهرية، من أبرزها تزايد صعوبة التمييز بين الحقيقة والمحتوى المزوّر، في ظل تطور تقنيات التوليد الاصطناعي (مثل مقاطع الفيديو والصور المفبركة)، وهو ما يهدد مصداقية المعلومات.

وأضاف أن من التحديات؛ الميل إلى الاكتفاء بالمحتوى السريع والمختصر، على حساب التحليل العميق والمعالجة الشاملة، ما يؤدي إلى تسطيح القضايا وإضعاف الفهم العام.

ونبّه المهنا إلى تراجع الاهتمام بالصحافة الاستقصائية، التي تتطلب وقتاً وجهداً وموارد كبيرة، رغم أهميتها في كشف الحقائق وتعزيز الشفافية.

واعتبر أن من التحديات؛ غياب أو ضعف الأطر التشريعية والتنظيمية التي تضبط استخدام الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي، سواء من الناحية القانونية أو الأخلاقية، وهو ما يفتح المجال أمام سوء الاستخدام.

ولاحظ تراجع مستوى الكتابة الإعلامية الإبداعية، إذ يفتقر الذكاء الاصطناعي – رغم قدراته – إلى الروح والأسلوب الشخصي الذي يميز الكاتب المبدع، ويمنح النص عمقه الإنساني.

وأبان أن من التحديات ما هو مرتبط بملكية المحتوى وحقوق النشر في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ يصبح من الصعب تحديد مصدر الإنتاج الفكري وحدود استخدامه.

وخلص المهنا إلى التحذيرمن تأثير الخوارزميات في تشكيل الرأي العام، من خلال توجيه المحتوى وفق اهتمامات المستخدمين، ما قد يؤدي إلى تكوين «فقاعات معرفية» تحدّ من التنوع الفكري.