يبحر الدكتور محمد إبراهيم الدبيسي بقلمه واصفاً المشهد الثقافي المديني، بأنه يُعدُّ لبنةً راسخةً في صرح المشهد الأدبي والثقافي الوطني، وامتداداً حياً لميراث المدينة العلمي والأدبي، الذي نشأ في المسجد النبوي الشريف؛ الجامعة العلمية والروحية العريقة، التي أضاءت آفاق المعرفة، ورفدت الحياة العلمية والثقافية في كلِّ أرجاء العالم بعطاء موصولٍ وأثرٍ باقٍ.
وعُنيت البيوت والأُسر العلمية في المدينة المنورة بهذا الميراث، فحمل كل جيلٍ أمانته، وأدَّى نصيبه في خدمة المعرفة وإثرائها، وظلَّت المدينة على تعاقب العصور، مركزاً للعلم والفكر والأدب. ثم اتسعت دوائر المعرفة فيها إبان العهد السعودي، وتعدَّدت مؤسساتها العلمية والثقافية، وتنوَّعت أوعيتها بين المجالس العلمية والأدبية، والصالونات الثقافية، والجماعات الأدبية، والمكتبات، والمؤسسات التعليمية، ومراكز البحث العلمي.
وكانت المدينة قد عرفت منذ عهود مبكرة؛ مجالس علمية وأدبية، احتضنتها بعض البيوتات المدنية، وقام عليها العلماء والأدباء، وبعض الوجهاء، فكانت محافل للعلم والمذاكرة، وملتقياتٍ للعلماء والأدباء وطلَّاب المعرفة. وتداول رُوَّادها علوم الحديث والفقه، واللغة والتاريخ، وتذاكروا الشعر والأخبار والأمثال والسِّير، فحفظت تلك المجالس جانباً مهماً من الذاكرة العلمية والأدبية للمدينة، وربطت بين مجالس العلماء وبيوت أهل الأدب، وبين حلقات الدرس والحياة الاجتماعية.
واستمرت هذه المجالس في العهد السعودي، واتخذ بعضها صورة أكثر انتظاماً، مع احتفاظها بصلتها الوثيقة بالحياة العلمية والاجتماعية، وظلَّت محافل للقراءة والمذاكرة، ومجالاً للتداول الأدبي، ومورداً يتصل فيه الأدباء والعلماء، وطلَّاب المعرفة بعضهم ببعض.
لبنة راسخة في المشهد
تختزل المدينة المنورة عبر تاريخها العريق تجربة ثرية تجمع بين قدسية المكان وعمق العطاء الفكري. ظلت عبر العقود والعهود منارة علمية وأدبية تشع بالمعرفة، وتستمد ريادتها من المسجد النبوي الشريف، لتنسج عبر بيوتاتها، ومكتباتها، ومؤسساتها، وجماعاتها الأدبية والفنية، مشهداً ثقافياً متجدداً، يحفظ التراث ويواكب العصر.
أسرة الوادي المبارك
يمضي الدبيسي: في عام 1371هـ تأسَّست «أسرة الوادي المبارك»، بوصفها أوَّل جماعة أدبية منظمة في المدينة المنورة في العصر الحديث، والتقت فيها طائفة من الأدباء والمهتمين بالشعر والأدب، وأقامت لقاءاتها حول النص الأدبي في أجناسه المختلفة، مع حضور أكبر للشعر، إلى جانب قضايا الأدب والثقافة. وانتقلت الممارسة الأدبية بذلك من نطاق الاهتمام الفردي واللقاءات المنزلية؛ إلى إطار جماعي يحمل اسماً وكياناً وغاية ثقافية محددة.
وقد سجَّل العلَّامة الأديب الدكتور محمد العيد الخطراوي - رحمه الله - جانباً وافراً من تاريخ هذه الأسرة وأخبارها في كتابه القيِّم: «أسرة الوادي المبارك في الميزان»، فحفظ صفحة مهمة من صفحات الحركة الأدبية في المدينة المنورة. وقد حظيت الأسرة بمباركة الدولة في ذلك العهد، لتصبح تجربتها معلماً بارزاً في مسيرة الأدب الوطني، ومقدمةً لمرحلة اتجه فيها النشاط الأدبي نحو مزيد من التنظيم والاتساع.
ومن هذه التجربة تبلورت فكرة المؤسسة الأدبية، حتى جاء عام 1395هـ، فشهد تأسيس «نادي المدينة المنورة الأدبي»، ودخل النشاط الأدبي طوراً مؤسَّسياً أرحب. وفتح النادي أبوابه للشعراء والأدباء والباحثين، وأقام الأمسيات والمحاضرات والندوات، واحتفى بالإبداع الأدبي والدراسات حول أجناسه، إلى جانب عنايته بعلوم الشريعة والتاريخ وما إليها، وأسهم في تنشيط الحركة الأدبية في المدينة، وربط نتاجها بالمشهد الأدبي في المملكة، وأوجد منبراً للحوار والنقد والتواصل بين أهل الأدب والفكر.
مجالس الحوار والمعرفة
طبقاً للدبيسي، شهدت المدينة ازدهار الصالونات العلمية والأدبية، التي أقامها بعض العلماء والأدباء والأكاديميون في منازلهم، وجعلوا منها مجالس للحوار وتبادل المعرفة، وقراءة الكتب ومناقشة القضايا الأدبية والتاريخية. واستمدت هذه الصالونات قيمتها من طبيعتها الاجتماعية والعلمية، فكانت امتداداً لمجالس العلماء المدنيين القديمة، وصورة متجددة من صور التآلف بين العلم والأدب والمجتمع.
وإلى جانب ذلك، قامت المكتبات بدور رئيس وبالغ الأثر في ازدهار الحياة الثقافية، وارتبط تاريخ المعرفة في المدينة بالكتاب ارتباطاً وثيقاً. وعرفت المدينة، منذ ما قبل العهد السعودي، مكتبات خاصة للعلماء وأهل المعرفة، ضمَّت نفائس المطبوعات وأصول المخطوطات في علوم شتى. وكانت مكتبة العَالِم في بيته امتداداً لمجلسه العلمي، ومورداً لطلابه، وذاكرةً تحفظ ما اقتناه من كتب ومصنفات.
ازدهار المكتبات
اتسع حضور المكتبة في الحياة العامة في العهد السعودي، فظهرت المكتبات الحكومية والعامة، إلى جانب المكتبات الخاصة، وازدهرت المكتبات التجارية في المنطقة المحيطة بالمسجد النبوي الشريف منذ منتصف القرن الرابع عشر الهجري، ونهضت بدور معرفي تجاوز بيع الكتاب وتداوله، ووفَّرت للعلماء وطلاب العلم والقرَّاء مصادر المعرفة الحديثة، واستقبلت الإصدارات القادمة من مختلف أقطار العالم العربي، وربطت القارئ المدني بحركة النشر والتأليف والترجمة.
وتأتي «مكتبة الملك عبدالعزيز العامة» بالمدينة المنورة، في مقدمة المكتبات الحكومية ذات الحضور التاريخي، بما تحمله من رصيد مكتبي وثقافي، وثيق الصلة بتاريخ المدينة، وما حوته من مكتبات علماء المدينة المنورة الوقفية، وإلى جانبها احتلت «مكتبة المسجد النبوي الشريف» مكانة بارزة في المشهد العلمي، إلى جانب مكتبات العلماء والأعيان والأدباء. وقد كوَّنت هذه المكتبات بمجموعها نسيجاً معرفياً فريداً، جعل الكتاب حاضراً في تفاصيل الحياة الثقافية، وأسهم في نشره، ودعم الحركة الأدبية والعلمية، حتى عرفت المدينة بـ«مدينة المكتبات».
اتساع مجالات البحث
يواصل الدبيسي: مع اتساع التعليم إبان العهد السعودي، ونشوء الجامعات والكليات والمعاهد، أضيف إلى المشهد الثقافي بُعد علمي وبحثي راسخ. وخرَّجت المؤسسات التعليمية أجيالاً من المتخصصين في العلوم الشرعية والعربية والاجتماعية، ثم اتسعت مجالات البحث لتشمل تاريخ المدينة وتراثها وعمرانها ومجتمعها وآثارها، من طريق مراكز البحوث والدراسات المعنية بجمع المصادر، وتحقيق المخطوطات، وإعداد الدراسات العلمية. وفي هذا السياق، تأسَّس مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة عام 1418هـ، كمؤسسة متخصصة في خدمة تاريخ المدينة وتراثها، والعناية بمصادرها ومعالمها وأعلامها ووثائقها. وقدم للباحثين مادة علمية واسعة حول المدينة، وربط المعرفة التاريخية بالمناهج البحثية الحديثة، وأسهم في صيانة جانب مهم من ذاكرتها العلمية والعمرانية.
واكتمل للمشهد الثقافي بُعد بصري وفني مع ظهور «جماعة فناني المدينة المنورة التشكيليين» عام 1401هـ، وهي أوَّل جماعة في بلادنا في هذا اللون من الفنون، اجتمع أعضاؤها حول التجربة التشكيلية ومدارسها واتجاهاتها، وأقاموا نشاطاً فنياً امتد إلى مدن سعودية، وعواصم ومدن عربية أخرى. واستمد الفنانون جانباً من موضوعاتهم من بيئة المدينة ومعالمها وعمارتها وموروثها، فجاءت أعمالهم شاهدة على صلة الفن بالمكان، ومعبِّرة عن حضور المدينة في الذاكرة البصرية لأبنائها.
وإلى ذلك كله، تشكَّل المشهد الثقافي في المدينة المنورة إبان سبعة عقود من روافد متصلة، كان المسجد النبوي الشريف معينها الأوَّل وموردها الأصيل، ثم تفرَّعت عنها المجالس العلمية والأدبية، والصالونات الثقافية، وأسرة الوادي المبارك، ونادي المدينة المنورة الأدبي، والمكتبات الخاصة والوقفية والحكومية والتجارية، والجامعات ومراكزها البحثية، وجماعة فناني المدينة التشكيليين، ومركز بحوث ودراسات المدينة المنورة.
وحفظت هذه الروافد صلة المدينة بميراثها العلمي والأدبي، ووسَّعت مجالات المعرفة فيها، وأقامت بين تراثها العريق ومؤسسات العصر جسراً متيناً. وتآزرت المؤسسات والمجالس والمكتبات والجماعات، في صياغة حياة ثقافية متجددة، تستمد جذورها من تاريخ المدينة، وتواكب تحولات العصر، وتمنح الثقافة مكانها الأصيل في تاريخ المدينة الحديثة.
فكانت المدينة المنورة، إبان هذه العقود، فضاءً تتعانق فيه حلقات العلم ومجالس الأدب، وتلتقي فيه خزائن الكتب ومؤسسات البحث، وتتناغم فيه أصوات الشعر والفكر والفن، في امتداد طبيعي لميراث المسجد النبوي الشريف، وفي صورة حضارية تؤكد استمرار العطاء العلمي والثقافي للمدينة عبر الأجيال.
