تتوافد القلوب المؤمنة بربها، وتكتمل حشود حجيج بيت الله صباح هذا اليوم على صعيد عرفات، وحاديها الفوز بثواب ركن الإسلام الخامس، وقوامها التوحيد الخالص لله وحده لا شريك له، في يومٍ مشهودٍ تسخّر فيه دولتنا الإمكانات كافة، وتجودُ بجهودها وجنودها في سبيل تحقيق غاية العبادة الأسمى، ومقصد النفوس الخيّرة التي طالما حلمت بنيل هذا الشرف في أقدس البلاد وأطهرها.
ومملكة الخير والوفاء اصطفاها الله؛ لتكون راعيةً للمشاعر المقدّسة، وشرح صدور قادتها فتشرفوا بحمل لقب خادم الحرمين الشريفين، فكانت المسؤولية في كل موسم تتعاظم، والبذل والاتقان يتجددان، والخبرات تتراكم، والتقنية والتكنولوجيا تتوفر؛ ليتمكن ضيف الرحمن، الذي هو ضيف القيادة والشعب، من أداء فريضته في أجواء آمنة مطمئنة عامرة بالذكر والخشوع والخدمات المميزة.
ولا ريب أن اجتماع شرف المكان وشرف الزمان يرفع من مكانة الإنسان ويرتقي بأخلاقه، ويسمو بمشاعره النقيّة، التي ستبلغ أصداء روحانية شعائرها سمع وبصر ثمانية مليارات إنسان يعيشون على كوكب الأرض، ولعل بعضهم لم يسمع ولم يرَ مثل هذه الجموع التي تضاعفت وتجاوزت المليوني حاج وحاجة، والتقت في عرفات الله ببياض القلوب والإحرام، على أرض عُرفت ببياض أيادي حكامها وشعبها ومسؤوليها، وما هذا اللقاء الواصل بين الأرض والسماء إلا ابتغاء مرضاة الله، فما أوفر حظ القاصد وما أجزل عطاء المقصود.
وتتشرف حكومة خادم الحرمين الشريفين، اليوم وكل يوم، أن تقف على رأس الأجهزة العاملة في الحج، فالأمنُ بحمد الله مستتب، و«الصحة» متأهبة لكل طارئ، والخدمات تتكامل، ووزارة الحج والعمرة توثّق وترصد لتطوّر، والفقه الشرعي ميسّر بالعلماء والدعاة والأجهزة الذكية، والطرق والمظلات والمخيمات في كامل جاهزيتها؛ لاستيعاب الوفود وزودت بكل ما يلزم الحجاج، والفرق التطوعية حاضرة، والهلال الأحمر متوثب، والجهات الإسعافية والمستشفيات الثابتة والمتنقلة في كامل استعداداتها، والكل ينتظر عشيّة عرفة التي يتجلّى فيها ربنا -جلّ وعلا- على عباده قائلاً «انصرفوا مغفوراً لكم»، فينصرفون مرددين: لبيك اللهم لبيك.
