أسهم الأديب الكاتب الناقد السعودي محمد بن عبدالله الحَمْدان في تشكيل ملامح مبكرة للعمل الصحفي والثقافي المؤسسي في المملكة، عبر مسيرة امتدت عقوداً، جمع خلالها بين العمل الصحفي، والكتابة النقدية، والاهتمام بالتوثيق الثقافي، في حضور فاعل ترك أثره في المشهد الأدبي والإعلامي السعودي.

ولد الحمدان عام 1357هـ/1938م في قرية البير بإقليم المحمل شمال غربي مدينة الرياض، وتلقى تعليمه الأول في الكتاتيب، ثم في مدرسة تمير الابتدائية، قبل أن يلتحق بمعهد إمام الدعوة العلمي بالرياض، ويواصل دراسته في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتخرج عام 1383هـ/1963م. كما التحق بعدد من الدورات في الإدارة واللغة الإنجليزية، وأسهمت هذه الخلفية المتنوعة في تشكيل شخصيته المهنية والثقافية.

وتنقّل الحمدان خلال حياته العملية بين عدد من الجهات الرسمية، من بينها إدارة الكليات والمعاهد، والديوان الملكي، ووزارة العمل، وإمارة منطقة الرياض، قبل أن يطلب التقاعد المبكر عام 1400هـ/1980م، ليتفرغ بعدها للكتابة والعمل الثقافي.

وحضر المشهد الأدبي مبكراً، إذ شارك في المؤتمر الأول للأدباء السعوديين عام 1394هـ/1974م، وأسهم في مهرجانات الجنادرية، إلى جانب مشاركته في عدد من الندوات والمؤتمرات الأدبية، كما كان من الأسماء التي أسهمت في تأسيس مؤسسة الجزيرة الصحفية، وعضواً مبكراً في مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض، في مرحلة كان فيها العمل الثقافي المؤسسي في طور التشكل.

وامتد اهتمام الحمدان إلى جمع الكتب والصحف القديمة، في شغفٍ تحوّل إلى مشروع ثقافي حين وسّع مكتبته الخاصة وفتحها للعامة تحت اسم «مكتبة قيس»، التي ضمت نفائس من الكتب والصحف النادرة. ورغم ما واجهه من صعوبات في اقتناء هذه المواد، وما مرّ به من ظروف اضطرته لاحقاً للتخلي عن جزء من مقتنياتها، ظل وفياً لفكرة حفظ المعرفة وصون الذاكرة الثقافية، وأسس لاحقاً دار قيس للنشر والتوزيع، إضافة إلى متحف قيس للمأثورات الشعبية.

مؤلفات وأعمال توثيقية

على صعيد الإنتاج الثقافي، قدّم الحمدان للمكتبة العربية مؤلفات وأعمالاً توثيقية متعددة، من بينها «بنو الأثير... الفرسان الثلاثة»، و«صبا نجد في الشعر والنثر»، الذي وثّق نتاج مئات الشعراء والناثرين عن نجد، إلى جانب «معجم المطبوع من دواوين الشعر العامي القديمة»، و«ديوان السامري والهجيني»، و«ديوان حميدان الشويعر». كما جمع خلال مسيرته الطويلة استطلاعات ومقالات نُشرت على مدى أربعة عقود في مجلدات توثيقية، وأنجز فهرساً لموضوعات في القرآن الكريم، في أعمال تعكس اتساع اهتماماته وعمق مشروعه الثقافي.

ونشر الحمدان العديد من المقالات والأبحاث في الصحف والمجلات السعودية، من بينها اليمامة، والقصيم، والجزيرة، والرياض، والدعوة، والمجلة العربية. واتسمت كتاباته بنقد السلوكيات الاجتماعية بأسلوب واضح وسلس، مع عناية بالعودة إلى المصادر التراثية والكتب القديمة في معالجة الموضوعات.

رحل الأديب محمد بن عبدالله الحمدان يوم الإثنين 2 رجب 1447هـ الموافق 22 ديسمبر 2025م، عن عمر ناهز 90 عاماً، تاركاً خلفه أثراً ثقافياً وإعلامياً يستحق التوقف عنده، واستعادة سيرته بوصفه واحداً من الجيل الذي آمن بأن بناء الثقافة يبدأ من الالتزام بالكلمة، والعمل الهادئ، والوفاء للفكرة.