بلدات تفوح بعبق التاريخ العريق، ما بين أشجار معمرة وآبار قديمة تحيط بأماكن أثرية لم تطلها يد الاهتمام كغيرها من المواقع، ليس لسبب سوى ما ذكره الباحث راشد بن محمد بن عساكر «عدم حماس المعنيين تجاه هذه البلدات يعود لإشكالية قديمة، إذ إن هذه المواقع لا تدخل ضمن انتداب الموظفين كونهم يفضلون الأماكن التي تبعد 80 كيلومترا فما فوق، لاحتساب (انتداب مالي) لهم، لهذا غابت هذه المواقع بل وتعرضت للإهمال والتعدي».
ابن عساكر الذي صحب «عكاظ» في جولة على تلك المواقع الأثرية بوادي حنيفة، أكد إهمالها رغم قربها من جامعة الملك سعود، ومجاورتها لمقر وكالة الآثار سابقا وهيئة السياحة حاليا، مبينا أنه سبق أن أرسل خطابات عدة لهيئة السياحة، مطالبا بالتنقيب في هذه المواقع وحمايتها إلا أن محاولاته فشلت، ولا يعلم السبب -حسب تعبيره-.
وأكد ابن عساكر أنه في حال التنقيب بهذه البلدات ستوجد أعظم الاكتشافات الأثرية داخل النطاق العمراني في مدينة الرياض، منوها بأن من أهداف رؤية 2030 في جانبها الثقافي والتاريخي، إبراز آثار المملكة بصورة واسعة، وجلب الاستثمارات المناسبة لها، إضافة إلى تعريف الرموز السياحية الداخلية والخارجية عليها لمعرفة جزء من تاريخنا، مشيرا إلى أنه ذكر البلدات الأثرية ضمن كتابه «تاريخ المساجد والأوقاف القديمة في بلد الرياض».
وخلال جولة «عكاظ»، اتضحت حقيقة التعدي على جزء من البلدات الأثرية، إذ جرفتها الجرافات والآليات، مع طرق لعبور السيارات ذات الوزن الثقيل عليها، خصوصا البلدة التاريخية والأثرية التي تعرف اليوم بموقع «الحني».
وعند الوصول إلى وسط الموقع، في الطريق إلى مكان أثري ملاصق لوادي حنيفة من الجهة الشرقية، بدت البيوت القديمة المبنية من الحجر، وفي إحدى زواياها موضع للتنور الذي يعجن فيه البر والخبز قديما، ولا تزال بقاياه تقاوم الإهمال لتبقى شاهدة على تاريخ ومجد قديم تجاوز الـ1000 سنة، بينما البقايا الأثرية من الفخار والزجاج «المزجج» بألوانه المختلفة كالأخضر والأزرق تحكي روعة زمان مضى وتشكو جفاء «السياحة» حاليا. وفي زاوية أخرى مرتفع متدرج لا يتجاوز طوله المتر، يدل على وجود أسوار محيطة بالمدينة، وغربه مساحة تبلغ ما يقارب 300 متر مربع.
ولاكتشاف آثار هذه البلدة قال محمد الحمود لـ«عكاظ»: «اكتشفتها والدتي بالصدفة حين خرجت معها للتنزه، فإذا بها تعثر على أحجار وفخار قديم، رفعته بدوري لوكالة الآثار التي أعمل بها، وتمت الموافقة على حفرية للموقع عام 1418 لا تتعدى عشرة أمتار مربعة، وخلال عملية البحث تم اكتشاف العديد من المنازل والطرق، إضافة إلى عملة نحاسية تعود إلى بداية العصر العباسي، منقوش على وجهها لا إله إلا الله وحده، وعلى ظهرها محمد رسول الله وحده».
وعن سبب توقف مشروع التنقيب عن الآثار في هذه البلدة ولماذا لم تتم حمايتها، قال الحمود: «هذه التساؤلات توجه لهيئة السياحة»، مشيرا إلى أنه تقاعد منذ فترة. ولفت إلى أنه أشار في كتابه عن «آثار الرياض وما حولها»، إلى أن هذا المكان الأثري ينقسم إلى وحدتين معماريتين، الغربي يقع على الوادي، ويحتوي على أساسات جدارية ووحدات سكنية وآبار مياه، وسدود مائية قريبة من وادي حنيفة وملاصقة له، والقسم الثاني من الوحدة المعمارية هي أعلى التلال المطلة شرقا وشمالا على وادي حنيفة، وهى عبارة عن حي سكني شبه متكامل، يحتوي على ملتقطات أثرية مهمة.
يذكر أن مدينة الرياض، شهدت عبر مراحلها الزمنية قيام آثار تعود إلى العصور التاريخية القديمة، وكانت تسمى قديما «حَجْر اليمامة»، وهي مركز بلاد اليمامة وقاعدتها الإقليمية والسياسية والإدارية والأمنية ومنها يتم تعيين الأمراء لكافة منطقة اليمامة، وعلى جوانبها يقوم جبل طويق، وعلى امتدادها تقع البلدات القديمة بدءاً من العيينة شمالا ثم الانحدار جنوبا عبر الوادي بالبلدات الجبلية، والوصيل والدرعية وعرقة والرياض ومنفوحة والمصانع ثم الموصل فالفارعة، وهذه البلدات ذكرها الجغرافي الحسن الهمداني في كتابه «صفة جزيرة العرب».
الباحث ابن عساكر يطالب «السياحة» بسرعة التدخل
غيّبها «الانتداب».. آثار «وادي حنيفة» في مهب الريح
30 مارس 2019 - 03:32
|
آخر تحديث 30 مارس 2019 - 03:32
تابع قناة عكاظ على الواتساب
أمل السعيد (الرياض) amal222424@