منذ أن اخترع الفرنسي لويس داجير الكاميرا الفوتوغرافية في شكلها الحديث، والتصوير الفوتوغرافي وآلته وتقنياته في تطور مستمر، وعشاقه يتزايدون ما بين هاوٍ ومحترف، وآخر يستخدمه مصدراً للرزق، وثالث يستخدمه للتوثيق التاريخي الفردي والجماعي، ورابع يعتبره فلسفة حياة ولغة لوصف المكان والزمان.

وفي عالمنا العربي، الذي يعتبر «أبوعلي الحسن بن الهيثم» (965 ــ 1040)، هو المخترع الأب للتصوير منذ أن بدأ أبحاثه في الضوء والبصريات، حينما كان معتقلاً في القاهرة زمن الخليفة الحاكم بأمر الله، برزت أسماء كثيرة حظي بعضها بجوائز عالمية مهمة لبراعتها في التقاط صور تغني عن ألف مقال وكتاب. لكن يبقى المصور والكاتب والصحافي السعودي الراحل صالح العزاز، سيرة يجب أن تروى، ليس لأنه عشق التصوير ومارسه في مجتمع كان يحرم التصوير فقط، وليس لأنه عانى الأمرين من المتشددين الذين طاردوه بفتاواهم المحرمة لكل ما له علاقة بالكاميرا وفنون التصوير فحسب، وإنما أيضاً لأنه، رحمه الله، نظر إلى التصوير كفلسفة بإمكانها أن تقول أشياء عديدة وتخلق أفكاراً كثيرة، ناهيك عن إيمانه القوي بصواب عشقه للتصوير وعدم استسلامه وتمسكه بموقفه.

قال عنه مواطنه الإعلامي الكبير عثمان العمير، إن التصوير عند العزاز كان بمثابة العشق ونوع من أنواع الممارسة العاطفية اليومية، ووصفه الفيلسوف السعودي إبراهيم البليهي، في برنامج «الراحل» من قناة روتانا، من تقديم الإعلامي محمد الخميسي، بصاحب الحس الإنساني الرفيع الذي أراد بصوره أن يقول للناس كيف يمكن أن ينتقلوا من حالة التعاسة إلى حالة السعادة، بينما نعته المسرحي والإعلامي والمستشار سلطان البازعي بالشخصية النبيلة المسالمة، التي تعرضت للظلم والأذى من قبل الجهلة وذوي الأفكار المسبقة ممن دخلوا معه من دون وعي في خصومة فاجرة. أما صديقه الإعلامي والدبلوماسي تركي الدخيل، فقد قال عنه في مقال نشره في «عكاظ» (31/ 10/ 2019): «كان صالح رجلاً، أشبه بمن يستيقظ كل فجر، ليمخر عباب الأحياء، ويسير في الأزقة، ليوزع الورود، ويغرس الشتلات، ويميط الأذى؛ الحسي عن الطريق، والمعنوي عن الناس. يمنح بكرم وسخاء، كل من يواجه، ابتسامة حلوة، تفيض إيجابية وتشجيعاً، ابتسامةً تشبه شعاع شمسٍ، يظهر كبشرى لمن ضاق ذرعاً بظلمة تتلبسه، ولا يعرف كيف يتجاوزها».

ولد صالح عبدالله سليمان العزاز بمدينة الخبراء بالقصيم في وسط نجد سنة 1959، ونشأ في بيئتها المحافظة، وتأثر منذ صغره بمشهد واحات النخيل الخضراء وحمرة الرمال وبيوت الطين الأثرية التي يحتضنها مسقط رأسه، كما تأثر بحكايات جدته الكفيفة موضي الشايع، التي ملأت ذهنه بعوالم الجمال المليئة بالصور.

في ريعان شبابه، انتقل إلى الرياض لإكمال دراسته في المرحلة المتوسطة، وهناك تعرف على عثمان العمير، الذي كان وقتها يعمل محرراً بجريدة «الجزيرة»، والذي وجد فيه خامة صحفية جيدة بأفكار متنورة وتراكمات ثقافية ناجمة عن ولعه منذ الصغر بالقراءة ومتابعة الصحف والمجلات، فدعاه للكتابة في «الجزيرة»، فكانت تلك بداية طريقه نحو الصحافة التي لم يفكر قبلاً في اقتحامها؛ لأن شغله الشاغل كان هو امتلاك آلة تصوير كي يصور بها رفاقه في المدرسة، ويسجل فوتوغرافياً لحظاته الحلوة بصحبتهم. كان هذا قبل أن يحقق حلمه ويمتلك الكاميرا بالفعل ويتعرف على تقنياتها وينصرف إلى تصوير أشياء أخرى ذات صلة بمجتمعه غير الوجوه والبشر، مثل رمال الصحراء وشمس الغروب وقوافل الجمال وواحات النخيل.

بعد تخرجه من المرحلة الثانوية، ولّى وجهه شطر الساحل الشرقي من وطنه لدراسة الهندسة بجامعة الملك فيصل. وربما لو وُجدتْ كلية للتصوير آنذاك داخل تلك الجامعة أو أي جامعة محلية أخرى لما اختار تخصص الهندسة التي درسها 3 سنوات، ثم هجرها بعد أن شعر بأنها ليست المجال الذي يشبع طموحاته. غير أن صاحبنا استهوته أجواء شرق بلاده، حيث المجتمع أكثر انفتاحاً والحياة أكثر بهجة وسلاسة، والناس أكثر تقبلاً لأفكاره، والسواحل والشواطئ الزمردية أكثر إلهاماً، فبقي في الدمام التي قابل فيها صديقه عثمان العمير مجدداً، حيث كان العمير وقتذاك يترأس تحرير جريدة «اليوم» الصادرة من الدمام.

يقول العمير، إنه فوجئ بدخول العزاز عليه في مكتبه بجريدة «اليوم»، وهو يرتدي الملابس الإفرنجية كعادة أبناء المنطقة الشرقية، ليخبره أنه صار طالباً بجامعة الملك فيصل. ويعترف العمير أنه قال لصاحبنا ما مفاده، إن الشهادة الجامعية لن توصلك إلى مرادك بالضرورة، وإنه من الأفضل أن تواصل ما بدأته في «الجزيرة» هنا في صحيفة «اليوم»، فقبل الفكرة وراح يتدرج من متدرب إلى مساعد محرر فمحرر فرئيس للتحرير. كان العمير وقتها يستعد لمغادرة «اليوم» إلى لندن ليترأس هناك تحرير مجلة «المجلة»، وكان بحاجة لشخص يحل مكانه، وحينما سأل العاملين معه عمن يرشحون لخلافته، كان هناك إجماع على العزاز، بسبب حيويته ونشاطه وملكاته القيادية وأفكاره الخلاقة. وهكذا قُدّر للعزاز أن يقود تحرير «اليوم» بالنيابة وهو لم يتجاوز سن الثانية والعشرين، ومن دون خبرة صحفية طويلة مسبقة، الأمر الذي أوقعه في مشاكل عطلت مسيرته لبعض الوقت. يقول العمير، إن البعض استغل نقطة الضعف تلك عند العزاز لنشر بعض الأمور المحظورة، وهو ما أودى به إلى السجن، حيث تعرف للمرة الأولى في حياته على تجربة المعتقل.

وأثناء قيادته لفريق العمل في صحيفة «اليوم»، راح يكتب التحقيقات الصحفية المثيرة المدعمة بلقطات فوتوغرافية من تصويره، وهو مسترخٍ بمكتبه يستمع إلى الموسيقى الغربية الهادئة من إذاعة أرامكو، والتي تولع بها وناسبت عشقه للهدوء والسكينة. فكانت تجربته في «اليوم» هي الفرصة التي شرعتْ له الأبواب ليبرز كواحد من الشباب الموهوبين في مجالي الكتابة والتصوير معاً.

من الدمام انتقل إلى الرياض، لكن هذه المرة ليس كطالب يلتمس طريقه وإنما كاسم صحفي معروف، وهو ما جعله هدفاً للاستقطاب من قبل أكثر من مطبوعة، فكتب في مجلة اليمامة، وصحيفة الشرق الأوسط، وجريدة «القبس» الكويتية، تاركاً في كل منها بصمة وألقاً. ثم ترأس تحرير مجلة غرفة الرياض التجارية، محدثاً فيها تغييراً شاملاً، فصارت مقروءة ومطلوبة أكثر من أي وقت مضى. ومن الرياض إلى لندن، حيث التقى هناك مجدداً بمعلمه وصديقه عثمان العمير، الذي لم يتردد في دعوته للعمل بمجلة «المجلة»، رغم اعتراض البعض على توظيفه بدعوى أنه كان معتقلاً. وأخبرنا الأستاذ عثمان العمير في شهادته عن العزاز خلال برنامج «الراحل» من قناة روتانا، أنه اصطحب معه العزاز ذات مرة إلى براغ، مدينة الفن والموسيقى والمعارض والجمال، فكان كلما رأى شيئاً مبهجاً يقول متى سيكون لدينا مثل هذا أو ذاك في بلادنا. واستنتج العمير من تصرفه هذا أنه كان مهموماً بكيفية إحداث تغيير اجتماعي في بلاده.

في نوفمبر 1990، استل العزاز كاميرته وانطلق بجرأة ليصور مظاهرة النساء السعوديات المطالبات بقيادة السيارة. لم يأبه بخطورة الحدث ولا بخطورة عمله. كان يريد فقط توثيق حدث غير مسبوق في تاريخ وطنه، خصوصاً وأنه كان يحلم بأن يرى بناته وهن يقدن سياراتهن الخاصة بحرية، وهو ما تحقق لهن ولغيرهن، لكن بعد رحيله بسنوات. وبصنيعته تلك وجد نفسه أمام تيار صحوي يطالب بإيقافه ومحاكمته بتهمة الترويج لعادات دخيلة على المجتمع. ووصلت الأمور حينذاك إلى درجة قيام إحدى معلمات بناته من المتشددات بتخويفها وإبلاغها أن والدها يقترف ذنباً عظيماً، وأنه وكل أسرته سيلقون عذاباً أليماً في الآخرة؛ لأن التصوير من الكبائر. وعلى إثر الوشاية به تم إيقافه ومساءلته، قبل أن يعود إلى المشهد الإعلامي مرفوع الرأس، وقد صمم على صناعة إعلام جديد، ركيزته مزج الكلمة الصادقة بالصورة المعبرة. لكنه قرر في لحظة تفكير وتأمل أن يترك العمل في المؤسسات الصحفية وأن يكتفي بالتصوير وكتابة المقال. وكان وقتها قد بنى لنفسه سمعة وطيدة لدى العديد من مؤسسات التصوير العالمية، كمصور سعودي صاحب بصمة فوتوغرافية خاصة، وهو ما تجلى بوضوح في معرض أقامه بالرياض سنة 1996 لعرض أعماله، ومنها صور اختيرت من قبل المفكرين الدكتور غازي القصيبي والدكتور تركي الحمد كأغلفة لرواياتهما الاجتماعية. وفي عام 1997 تأكد حضوره على المستوى العالمي كمصور بارع، وذلك حينما نال جائزة المرتبة الثانية في مهرجان الاتحاد العالمي للمصورين الذي أقيم في الصين في تلك السنة. أما آخر معارضه الفنية، فكان في شكل غير مسبوق سنة 2001، وأقامه تحت اسم «بلا حدود» وسط الصحراء.

وللعزاز تجربة بصرية وأدبية فريدة مع الشاعر البحريني قاسم حداد، إذ تعاونا في تأليف كتاب «المستحيل الأزرق» سنة 2001، وهو كتاب تمت ترجمته إلى الإنجليزية والفرنسية، ويتضمن دمجاً ما بين فوتوغرافيا العزاز ونصوص حداد الشعرية. كما له تجربة إصدار كتاب مصور بعنوان «الجنادرية.. الحدث»، تعاون في إصداره سنة 1994 مع صديقه ورفيق دربه حمد العبدلي، والكتاب يوثق بالصور الفوتوغرافية فعاليات وأجواء مهرجان الجنادرية التراثي. إلى ما سبق أصدر كتاب «العودة إلى الأرض» بالعربية والإنجليزية، الذي وثق فيه بالصور الضوئية أساليب البناء بالطين.

«عش العنكبوت»

في صيف عام 2002، سافر مع شريكة حياته السيدة بدرية القبلان وأبنائه الخمسة منها، إلى الولايات المتحدة في رحلة سياحية، مبتدئين بولاية ألاسكا التي كان العزاز عازماً على تصوير ثلوجها، بل تصوير سيدة سعودية بعباءتها السوداء فوق الجليد البارد مقابل صورتها فوق رمال الصحراء الحارقة. قضت العائلة أوقاتاً سعيدة وجميلة في أحضان ألاسكا وكاليفورنيا، قبل أن تنقلب إلى أوقات حزينة ومؤلمة. فقد شعر العزاز خلال الرحلة بتعب شديد استدعى دخوله المستشفى ليكتشف الأطباء أنه مصاب بورم سرطاني في الدماغ. وعلى إثر ذلك، خضع للعلاج ولعدة عمليات جراحية في مستشفى بلاس فيغاس، ثم انتقل إلى هيوستن لمواصلة حربه ضد ما أسماه بـ«عش العنكبوت» بالعلاج الكيماوي لمدة عام ونصف العام، كانت زوجته إلى جانبه لحظة بلحظة، بينما أعاد أبناءه إلى الوطن، حرصاً منه بألا يشغلهم بمصيبته أو يشعرهم بتغيير في حياتهم.

أخبره الأطباء، أن المرض أسرع في الانتشار داخل جسده من وسائل الحد منه، وأن عليه أن يستعد للرحيل. وبانتظار نهايته، راح يكتب يوميات مرضه بلغة رصينة وبليغة، ويبعثها لصديقه عثمان العمير كي ينشرها الأخير في صحيفة «الشرق الأوسط»، فتعاطف معه الكثيرون، واهتم المسؤولون وكبار الشخصيات الإعلامية والثقافية بمرضه وأحواله، ما خفف عليه ما مرّ به من تجارب مؤلمة سابقة.

ترك وراءه ثروة من الأبناء النجباء

ومع مطلع عام 2002، بدأ الرجل يدخل مرحلة الغيبوبة، فتم نقله بطائرة الإخلاء الطبي إلى الرياض، ودخل المستشفى التخصصي الذي لم يتمكن أطباؤه من مساعدته. ثم أعلن المستشفى في الخامس عشر من ديسمبر 2002 خبر وفاته عن 43 عاماً فقط، ليسدل الستار على حياة إنسان أجمع كل الذين عرفوه على أنه كان نبيلاً ومسالِماً ومؤمناً وشجاعاً ومتفرداً في أسلوب حياته ونمط تعامله مع الآخر، ومتميزاً برهافة الحس والميل لكل ما هو جميل وحالم.

لقد رحل عن دنيانا، لكن عزاءه أنه ترك وراءه ثروة من الأبناء النجباء لوطنه. فابنته الكبرى الشيهانة عملت في مناصب رفيعة، مثل نائب الأمين العام لمجلس الوزراء والأمين العام لمجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة والمستشار القانوني للصندوق. وشهد، صارت مهندسة معمارية، عملت في إسبانيا لدى مكتب هندسي عريق لمدة سبع سنوات، ثم انتقلت إلى الرياض، وأسست مكتبها الخاص، والشهلاء، صارت مهندسة طيران وعملت في أمريكا، ثم عادت للوطن، لتعمل على توطين الصناعات العسكرية في الهيئة العامة للصناعات العسكرية، وولده عبدالله، أصبح مهندساً وعمل في نيويورك ثلاثة أعوام في قطاع النفط والغاز، ثم انتقل لإكمال المسيرة في لندن، وله نصيب في التصوير والكتابة، وآخر العنقود، ليانا، تخرجت من الجامعة في نيويورك عام 2019 وتعمل مع إحدى شركات التقنية النيويوركية، وهي التي لم تتجاوز السنوات الست يوم رحيل والدها.

وكان آخر ما كتبه قبل رحيله: «ما أجمل أن تموت، وأنت ترغب في ازدياد. رائع أن تترك الحياة، وأنت تموت، حباً ورغبةً فيها. جميلٌ أن تقول للموت: أرجوك... تمهل قليلاً... ثم، إذا به... لا يسمعك».