تتجلى في ديوان «سراب التباريح» للشاعر نمر سعدي معالمُ تجربةٍ شعريةٍ لا تكفُّ عن استنطاق الفراغ، حيث تغدو «المرأة الغائبة» محوراً تدور حوله مدارات القصيدة، ليس بوصفها طيفاً عابراً في الذاكرة، بل بوصفها كينونةً مُتعاليةً تمنح المعنى لمتاهة الوجود. وتنهض صورة المرأة الغائبة في نصوص الديوان من ركامِ «السراب» و«التباريح»، لتتحوّل من كائنٍ بشريٍّ ملموسٍ إلى «خارطةٍ للأنوثة»، حيث يمزج سعدي ببراعةٍ بين التخييل الجمالي الذي يضفي على الغائبة هالةً من القداسة والجمال، وبين التمثل الوجودي الذي يجعل منها ملاذاً ومستقراً لروح الشاعر الضلِّيل. الغياب هنا ليس انقطاعاً عن الاتصال، بل هو الحضور الأكثر كثافةً في دم القصيدة؛ فالمرأة الغائبة هي «بنفسجة الملح» التي لا تذبل في لغة الشاعر، بل تظلُّ ممتدةً في الزمان كأنها أفقٌ لا يطاله السفر. ويُعيد الشاعر تشكيل هذه الغائبة عبر إستراتيجيات نصية تراوح بين الأسطوري والمادي، فهي تارةً «عنقاء» تخرج من ثوب القصيدة لتُعيد ترتيب عالم الشاعر، وتارةً أخرى «نورسةً ملوعةً» في أيلول العطر، وفي كل حالاتها تظل المرأة هي «النافذة الآهلة بالطيور» التي يطلُّ منها سعدي على العالم. هذا الغياب ليس وهماً، بل هو محرِّكٌ للحواس، حيث تتحوّل أنوثتها إلى لغةٍ للعناق لا يفكُّ شفرتها إلا شاعرٌ خبرَ لسعات الحنين. وفي «سراب التباريح»، يتحوّل التمثل الوجودي للمرأة إلى فعل مقاومةٍ ضد العدم؛ فاستحضار الغائبة هو محاولةٌ من الشاعر «لأنسنة الذئب» الكامن في تفاصيل الحرب واليوميات الرتيبة. وحين يؤكد سعدي أن «كل ما لا يؤنث لا يعوّل عليه»، فإنه يُرسي قاعدةً فلسفيةً تجعل من «المرأة الغائبة» مرجعيةً للكون وبوصلةً روحيةً يتوجَّه إليها في لحظات انكسار الذكريات، مما يمنح قصيدته عمقاً مأساوياً مفعماً بالشغف الآدمي. إنَّ نمر سعدي لا يكتب عن الغياب كفقدٍ بقدر ما يكتب عنه كحالةٍ كينونيةٍ؛ فالمرأة الغائبة في ديوانه هي الروح التي تمنح «السراب» معناه، وهي الوقود الذي يُبقي «جمرة القصيدة» متقدةً في مهبِّ التباريح الأبدية.

يستمرُّ نمر سعدي في هذا الديوان في تعميق هذه الرؤية عبر ربط الغياب بتجربة الكتابة ذاتها، فالقصيدة في «سراب التباريح» ليست مجرد وعاءٍ للكلمات، بل هي «شرفةٌ للغيب» تُطلُّ منها الغائبةُ على واقع الشاعر المليء بالندوب. إنَّ هذا الإلحاح في استحضار المرأة، رغم غيابها الجسدي، يعكسُ رغبةً عميقةً في التصالح مع الزمن؛ فالشاعر الذي يكتب «كيلا يمحو نرجس أشواقه بشفاهه» يدركُ أنَّ بقاءه رهينٌ بقدرته على حماية هذه الصورة من التلاشي في «جحيم الحياة». وتتجلى هذه الحالة في نصوصه كحوارٍ أبديٍ مع طيفٍ لا يغيب، حيث يقول في مناجاته لها: «لن أرى امرأةً سواك تضيء لي شجر الحنين / ولن أكون صدى ولا وتراً لجيتارٍ سواي».

​إنَّ هذا التمثل الوجودي للمرأة ليس هروباً من الواقع، بل هو مواجهةٌ فنيةٌ جريئةٌ له، حيث يُعيد سعدي ترتيب فوضى العالم من خلال استنطاق «الأنوثة الوحيدة» التي تمنح القصيدة معناها، فكأنَّما وجودها في النص هو «شرطٌ وجودي» لا تكتمل دونه الحياة. ويتضح هذا حين يربط الشاعرُ بين جمالِ الغائبةِ وفعلِ الكتابةِ، فيرى في وجهها ملامحَ الخلاص: «أنتِ الغيمةُ الزرقاءُ في قلبي وجسمُ قصيدتي وأنايَ / أنتِ بنفسجي البريُّ، ماء الرغبة الشفهيُّ، عطر الأرض / في كأسي رمادكِ، في خطاك خطاي».

​وهكذا، ينجح نمر سعدي في جعل «المرأة الغائبة» بوصلةً للأبدية، فهي «أجملُ الناجيات من الحبِّ» التي تسكن مسارات دمه، لا كذكرى منقضية، بل كحضورٍ طافحٍ بالضوء. وما نداءاته المتكررة لها إلا صدىً لروحٍ «متعبةٍ بحنينها»، حيث يراها في كل تجليات الطبيعة: «يا امرأةً تشبهين ينابيع قلبي العصي على الريح/ والزنبقات الثلاث/ ومن أغمدت في الشرايين أقمارها المطفأة». لتظل قصائده، رغم كلِّ ما يعتريها من وجع التباريح، فضاءً مفعماً بالمعنى، وعشاً دافئاً للباحثين عن شمسٍ لا تأفل في زمن الغياب.

تتواصلُ رحلةُ الاستحضارِ في ديوان «سراب التباريح» عبر صورٍ شعريةٍ تكشفُ عن تعلّقٍ وجوديٍّ بالمرأة الغائبة، التي لا يراها الشاعرُ طيفاً باهتاً، بل قوةً فاعلةً في تكوينِ عالمِهِ الشعريّ، إذ يقول في إحدى تجليات هذا التعلق: «أجمعُ ما أريدُ من شقائقِ الحياةِ أو أنوثةِ الأشجارِ/ ما أريدُ من سنابلِ الحنَّاءِ في حديقةِ النهارِ». وتنتقلُ الغائبةُ في نصوصِهِ من الحضورِ الحسيِّ إلى الاندماجِ الكليِّ في الذات، حيثُ يتماهى الشاعرُ مع طيفِها لدرجةِ الذوبانِ في الغيابِ نفسه، مُتخذاً من هذا الغيابِ قنديلاً يُضيءُ عتمةَ الوجود: «أنا سليلُ الماءِ والجمرِ الذي بفحيحِهِ كنتُ اصطليتُ/ أوقدتُ من لغتي عناقيدَ الأنوثةِ/ واكتويتُ بكلِّ ما في الأرضِ من شغفِ المواسمِ والبراعمِ والغواياتِ... اكتويتُ».

​وتتجلى ذروةُ هذا التمثلِ الوجوديِّ حينَ يجعلُ الشاعرُ من غيابِها سبباً لاستمرارِ القصيدةِ، فهي «القصيدةُ التي تأخذُهُ من يدِهِ» إلى مساراتٍ عشبيةٍ بعيدة، وهي المحركُ الذي يدفعُهُ لمواجهةِ «عصرٍ آليٍّ» باردٍ لا يفهمُ لغةَ الشوق. وفي هذا السياق، يبرزُ النداءُ الملحُّ الذي ينمُّ عن رغبةٍ في التماهي التام، إذ يخاطبها قائلاً: «حدثيني عن أنوثتِكِ الوحيدةِ/ حدثيني عن أنوثتِكِ الشريدةِ/ حدثيني عن رياحِ الخوفِ والقلقِ الوجوديِّ الجميلِ». إنَّ هذا الربطَ بين «القلقِ الوجوديِّ» و«أنوثةِ المرأةِ الغائبةِ» يؤكدُ أنَّ حضورَها، ولو كان غياباً، هو الضمانةُ الوحيدةُ ضد الانكسارِ والضياعِ في متاهاتِ «السراب»، فهي «أجملُ الناجياتِ من الحبِّ» التي تمنحُهُ القدرةَ على أن يرى «وجهَهُ على حجرٍ» وعلى أن يغني «قمرَ التأنيثِ» في ليلِ العالمِ الوحشيّ. ولا يكتفي نمر سعدي بهذا الاستحضار، بل يغوص في «تباريح» الكتابة ليُحيل غيابها إلى مادةٍ للتأمل الجمالي، حيث يغدو الحنينُ مصفاةً تُنقي الواقع من شوائب القبح، ليقول في لحظةٍ من أصدق تجليات الانكسار: «لا شيء يكتبني سوى الماء الأنوثي المعلَّق عند أطراف الغمام/ لا شيء أكتبه سوى ضجر السنونو في نهار من زجاج أو رخام». إنَّ هذا الماء الأنوثي هو الحبر الذي يكتب به الشاعر وجوده، محولاً الغياب إلى طاقةٍ إبداعيةٍ لا تنضب، حيث تتجسد الغائبة في «ضفيرة» هي رمزٌ للشموخ والتمسك بالحياة، فتصبح بمثابة «سلم من حنطة ذهبية نحو الأعالي والحدائق» و«شمس مرممة بماء الحب».