في كل حارة قديمة، كان هناك واحد معروف لا يحتاج إلى تعريف، يظهر إذا اجتمع الصغار

على لعبة واتفقوا على قواعدها وبدأت المنافسة تأخذ طريقها الطبيعي، لا يلعب ولا همه من يفوز ولا يعترض على القواعد، لكنه ببساطة يخرب اللعبة.

أما الآن، صارت اللعبة أكبر من ذلك بكثير، دولاً، ومشاريع، ومصالح، وتحالفات، وخرائط، ومستقبل شعوب، ومع ذلك يبدو أن الشخصية نفسها لم تتغير كثيراً، فكلما اقتربت بعض المسارات من ترتيب يمكن أن يفتح باباً للحل، وكلما بدا أن هناك مشروعاً يحاول أن يمضي نحو غايته، يظهر ذلك الذي «لا يلعب لكنه لا يريد للآخرين أن يلعبوا»؛ فيخلط الأوراق، ويعيد توزيع الأدوار، ويدفع بعض القطع إلى مقدمة المشهد، ثم ينسحب قليلاً ليراقب النتائج.

والأطرف، أنه لا يأتيك دائماً بوجه المعرقل، بل بوجه الصديق الحريص على الاستقرار، وربما الحريص أكثر من الجميع على نجاح اللعبة، لكن المشكلة أن اللعبة بطريقة ما، لا تكاد تستقيم كلما اقترب منها، هنا تتذكر حكمة الحارة القديمة «إذا شفت اللعبة ما تمشي فتّش عن اللي يخرّبها».

ليس المقصود أن كل اختلاف مؤامرة، ولا أن كل طرف يملك مشروعاً مختلفاً هو بالضرورة «مخرّباً»، فالسياسة بطبيعتها مصالح متشابكة، ولكل دولة حساباتها وأولوياتها، لكن هناك فرقاً بين أن يكون لك مشروع مستقل وأن يتحول مشروعك إلى سبب دائم في تعطيل مشاريع الآخرين، وفرق أكبر بين أن تختلف مع حليفك وأن تتصرف وكأن نجاحه خسارة لك.

في السياسة، لا تحتاج دائماً إلى إعلان الخصومة، يكفي أحياناً أن تراقب من يقترب حين تقترب التسويات، ومن يتحرك حين تتحرك المشاريع، ومن تتغير مواقفه كلما اقتربت الصورة من الاكتمال، عندها قد لا تحتاج إلى أن تسأل: من الذي يخرّب اللعبة؟ فقد تكون الإجابة واقفةً أمامك تبتسم وتقول بكل براءة: «أنا؟! والله ما لمست شيئاً».