الأصل أن يسبق العلم العمل، وأن يكون التعليم القانوني الجامعي المدخل الطبيعي لممارسة الأعمال القانونية.
و«المحاماة» من المهن العلمية المتخصصة، القائمة على التأهيل الأكاديمي والمعرفة المنهجية، فهي ليست مجرد خبرات عملية تُكتسب بالممارسة، بل علم له أصوله ومبادئه وقواعده التي تُبنى عليها المهارات المهنية، ويكتسب من خلالها الممارس القدرة على الفهم والتحليل والاستنباط والتطبيق الصحيح للأنظمة والأحكام.
في المقابل؛ لا يزال سوق العمل يشهد ممارسات يُطلق عليها اصطلاحاً «الدعوجية»، إذ يتصدر المشهد أشخاص يعتمدون على خبرات محدودة أو معلومات غير مؤصلة علمياً، دون امتلاك التأهيل القانوني الكافي. ولا يقتصر أثر هذه الممارسات على أصحابها فحسب، بل يمتد إلى إضعاف جودة العمل القانوني ونشر مفاهيم غير دقيقة لدى المتعاملين مع الشأن القانوني، بما ينعكس سلباً على صورة المهنة ورسالتها.
وتزداد أهمية التأهيل العلمي في ظل التطور التشريعي والتنظيمي المتسارع الذي تشهده بلادنا، حيث تشهد الأنظمة واللوائح وتطبيقاتها تحديثات مستمرة، تتطلب من الممارس القانوني مواكبتها بصورة دائمة. فالمعرفة القانونية ليست معلومات جامدة تُكتسب مرة واحدة، بل عملية تعلم مستمرة تبدأ في مقاعد الدراسة وتستمر طوال المسيرة المهنية.
من هنا؛ فإن بناء جيل قانوني متمكن يتطلب ترسيخ مبدأ «العلم قبل العمل»، واحترام التخصص، والإيمان بأن الشهادة الجامعية ليست غاية في ذاتها، وإنما أساس للممارسة المهنية الرشيدة. فكلما اقترنت المعرفة العلمية بالخبرة العملية الواعية، ازدادت كفاءة الممارس، وتعززت ثقة المجتمع بالمهنة، وأسهمت المحاماة بدورها في تحقيق العدالة وترسيخ سيادة القانون.
لذلك؛ يبقى «العلم قبل العمل» قاعدة راسخة لكل ممارسة قانونية مسؤولة ومهنية.


