اقتحام خصوصيات الناس، هو إعدام معنوي لهم، واعتداء سافر عليهم، وسطو على حقهم في الحفاظ على مساحتهم الآمنة بعيداً عن فضول الآخرين.
وثمة استعراضات سلبية رُزِئنا بها عقب ظهور وسائل التواصل الاجتماعي؛ وتتمثل في أناس ناقصي عقل حملوا فكراً يمكن تسميته بـ«فتنة الاستعراض».
أولئك جلبوا لنا استعراضات ذميمة يرفضها عقلاء المجتمع، تحمل تفاخراً وتباهياً وتعالياً في الدُور والدُثور، والعلاقات والمهارات، والأزياء والمواهب، والسفر والمراكب، والمطاعم والمشارب.
تلك الاستعراضات تضمنت سلبيات مجتمعية عدة، أبرزها؛ تعميق الفجوات الطبقية، وتكريس ثقافة الاستهلاك المظهري الأعمى بالإسراف والتبذير، وإثارة الحقد والحسد والغل بين الناس، إضافة إلى كسر القلوب المحتاجة، وتزهيد الناس بما لديهم من النعم.
من تلك الاستعراضات اللاأخلاقية؛ أحدهم يصادف حادثاً مرورياً مؤسفاً يتسم بالبشاعة والمصابين فيصوره وينشره، وآخر يزور مريضاً متوجعاً فيصوِّره وينشره، وثالث يرى من هو في حالة انكسار وألم فيصوِّره وينشره، ورابع يرى من صادرت قسوة الحياة أحلامه وآماله فيصوِّره وينشره.
بعض أولئك من قاصري العقول بدلاً من أن يعيشوا متعة لحظات نِعم الرزاق ذي القوة المتين؛ يستهويهم توثيق تلك النِعَم بالتصوير والنشر استعراضاً وتفاخراً لا حمداً وشكراً.
والأدهى والأَمَر، أن هناك من يسافر ليصوِّر وينشر لا ليستمتع برحلة سفرته، ومن يأكل طعاماً ويشرب شراباً ليصوره وينشره لا ليستمتع بتذوقه، ومن يتسوق ليصوِّر وينشر لا ليستمتع بما اشترى، ومن يحضر المناسبات والأفراح ليصوِّر لا ليستمتع بالبهجة، حتى في الحج والعمرة والزيارة ينشغل بالتصوير والنشر لا ليتذوق حلاوة ذلك العمل.
لهذا نقول لمن اعتاد هذه السلوكيات المشينة: إن احترام الآخرين هو انعكاس مباشر لاحترام الذات، وإن ظروف الناس وأحوالهم ومآسيهم ودموع المحتاجين والمكلومين ليست مادة أو محتوى متاحاً قابلاً للاستعراض.


