أفكر كثيراً في تلك اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان فجأة، ليسأل نفسه: كيف مرَّ كل هذا الوقت؟ وكيف انشغلت بكل شيء إلا نفسي؟
نعيش أعمارنا وكأننا نسابق شيئاً لا نراه، نركض خلف إنجازات متلاحقة، ونؤجل الحياة إلى حين.. إلى أن ننتهي من هذا المشروع، أو نحصل على تلك الترقية، أو نصل إلى مرحلة نظنها «الاستقرار». لكن ما لا ننتبه له، أن الحياة لا تنتظرنا هناك، بل كانت تحدث هنا، في كل يوم مرَّ دون وعي كافٍ.
تأملت مفهوم عجلة الحياة، ليس كأداة تدريبية فقط، إنما كمرآة صادقة. مرآة تكشف أين نقف فعلاً، لا أين نظن أننا نقف. هل نحن متوازنون؟ أم أننا نعيش اختلالاً صامتاً، يزداد مع الوقت دون أن نشعر؟ وكم مرة أعطينا العمل أكثر مما يستحق؟ ليس حباً فيه دائماً، بل لأننا اعتدنا أن نقيس قيمتنا بما ننجزه فيه. وكم مرة أجلنا لقاء عائلياً، أو لحظة صفاء، أو حتى عبادة، بحجة «الانشغال»؟
الغريب، أننا لا نشعر بالخسارة في حينها. لكنها تتراكم حتى تصبح فراغاً كبيراً في لحظة ما. ما يقلقني ليس التعب، بل الاعتياد. أن نعتاد حياة غير متزنة، ونظن أنها طبيعية. أن نغرق في الروتين حتى نفقد القدرة على التساؤل: هل هذه أنا فعلاً؟ هل هذه الحياة التي أريدها؟
التوازن لا يعني أن نُقسم وقتنا بعدل رياضي، بل أن نعيش بوعي. أن ننتبه لما نهمله قبل أن يختفي من حياتنا. أن نسأل أنفسنا بصدق: أين أنا من علاقتي بربي؟ أين أنا من أسرتي؟ من صحتي؟ من نفسي التي تؤجل دائماً؟ الأيام تمضي بهدوء، لكنها لا تعود. وما نؤجله اليوم، قد لا نجد له مكاناً غداً.
وفي لحظة صدق؛ تخيّل نفسك بعد سنوات، وقد انتهت رحلتك المهنية. لن يسألك أحد عن بريدك الإلكتروني، ولا عن تقاريرك، ولا عن ساعات عملك الطويلة. ستبقى فقط الأسئلة الحقيقية: ماذا أبقيت في قلبك؟ وماذا تركت في قلوب الآخرين؟
لا تجعل العمل كل حياتك. فالحياة أكبر، وأعمق، وأحق أن تُعاش بتوازن. ولا تدع الأيام تتشابه حتى تسرقك دون أن تشعر. توقف أحياناً، وتأمل، واسأل نفسك: إلى أين أنا ذاهب؟ وهل هذا الطريق يشبهني حقاً؟


