أمير شاب.. مُحنّك..


وسياسيٌّ فذٌّ.. مُعلِّمٌ..


ومثقفٌ من طراز نادر..


كبير هو المسؤول المثقف الواعي الذي يجادل بعلم ويناقش بحكمة ومعرفة..


وكبير هو أيضاً إذا بانت آثار التعليم المميز على أدائه في مسؤوليته..


ليست الأعوام وحدها ما تقاس بالعشرين، بل ما تتركه في الروح من تهذيب، وفي العقل من اتساع، وفي المهنة من معنى. وعشرون عاماً من القرب الإداري ليست مجرد (مدة خدمة) بل مدرسةٌ كاملة، تتعلّم فيها أن القيادة ليست ضجيج قرار، بل حكمة توقيت، وأن الدولة لا تُدار بالصوت العالي، بل بالعقل الهادئ، وبالكلمة التي تعرف أين تقف ومتى تُقال. أكتب اليوم لا احتفاءً بالزمن.. بل وفاءً لما علّمه الزمن في حضرة قائدٍ مثقف: الأمير خالد بن بندر بن سلطان بن عبدالعزيز.


عشرون عاماً جمعتني به –حفظه الله– في فضاء العمل اليومي، ورأيت خلالها كيف يمكن للمنصب أن يزداد تواضعًا كلما ازداد ثقلًا، وكيف يمكن للمسؤول أن يكون قريبًا من الناس دون أن يفقد هيبته، وأن يحفظ هيبته دون أن يتعالى على أحد.


فسمعته مرات عديدة يرتقي بحديثه ليلامس فكر المثقفين، ويتواضع أحياناً ليسمع عموم المتحدثين، وكان لكلامه طعم خاص، ولنبرة حديثه لون مميز يشد السامعين، وللتواضع المعروف عنه معنى كبير يقربه من الناس ويقرب الناس منه، لقد تعلمتُ منه أشياءَ كثيرة، من أجملها تواضعه الجَمّ، والصراحة المُطْلقة، فهو صاحب أدب راقٍ، هادئ الطباع، منضبط في مواعيده، قليل الكلام، فمن تعامل معه يُدرك ذكاءه الفائق، ودهاءه الذي يجعل الجالسين حوله يريدونه أن يقول المزيد، إلا أنه كان يكتفي بالكلام المفيد.


يربط الثقافة بالسياسة، والسياسة بالثقافة، وكان رأيه أن الثقافة سياسة على مستوى النظر، وأن السياسة ثقافة على مستوى الممارسة، يسميها بالثقافة السياسية، قناعته أن التمهيد للسياسة يكون بالثقافة وتحقيق الثقافة في السياسة، وبدونها تصبح الثقافة منعزلة عن الواقع الذي تعمل فيه، وتصبح السياسة مجرد غوغائية وقوة وتسلط. دائما يردد أن المساواة والعدالة وحقوق الإنسان والمواطنه والقانون كلها تكتمل باكتمال مفهوم الثقافة السياسية والسياسة المثقفة. فتغيير العقول والأذهان بوجهة نظره يسبق تغيير المجتمعات والنظم السياسية، وكان يشيد بمؤلفات هردر، ولسنج، وكانط.


ومن خلال هذا المفهوم فحق على الجميع أن يعلم بأن الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ومنذ استلامه مهامه فهو يعمل على دعم الثقافة والإعلام والاقتصاد، فبها تكتمل السياسة الصحيحة التي تطالب بها الشعوب. لإيمانه بأن هذا لن يتحقق إلاَّ بتكامل سلطة المثقف وثقافة السلطة، تكاملاً عضوياً، وهذا بدوره يؤدي إلى رفاهية المجتمع وتحقيق العدل والمساواة. وهي مهمة ليست بالعسيرة ولا باليسيرة، لكنها تتطلب جهداً مستمراً وعملاً دؤوباً كما هو العمل الحاصل اليوم في مكتب ولي العهد ليلاً ونهاراً. ولا شك أن الأمير محمد بن سلمان أصبح مِثالاً رائعاً للشباب السعودي المثقف والطموح. ولأن قائد التحول شاب مثقف، فإن عدته في ذلك التحول هم الشباب المثقفون، وعليهم يقع الحمل الأكبر في تنفيذ رؤية الملك وطموح الأمير.


فالأمير خالد وبحكم دراسته بتخصص الآداب معجب بشكل كبير بالثقافة الإنجليزية/البريطانية، فكان يردد أن الثقافة الإنجليزية مجموعة مكونات مهمة تعكس عمق تأثيرها في المجتمع، من بينها الأدب، فقد قرأ للأديب الإنجليزي الأشهر ويليام شكسبير، لا ككاتب مسرح فحسب، بل كفيلسوفٍ متنكرٍ في هيئة شاعر.. يضع الإنسان عارياً أمام نفسه، ويكشف أن السلطة إذا خلت من البصيرة تحولت إلى مأساة، وأن الطموح إذا لم تهذّبه الأخلاق يصبح سكيناً في يد صاحبه.


ومن الفكر.. كان يتأمل توماس هوبز حين يتحدث عن الدولة باعتبارها ضرورةً لضبط الفوضى، لا غايةً لابتلاع الإنسان، ويقرأ برتراند راسل بوصفه صوتاً للعقل النقدي الذي يرفض تقديس الفكرة لمجرد أنها شائعة، ويُذكّر بأن الحضارة تبدأ حين يُصبح الشكّ أداةً للبحث لا ذريعةً للهدم.


وكان يرى أن جوهر الثقافة الإنجليزية يتجلّى في معنى عميق: أن سيادة القانون ليست نصاً جامداً، بل أخلاقٌ عامة، وأن المؤسسات ليست مباني، بل ذاكرة الدولة، وأن احترام النظام ليس خوفاً، بل قناعة بأن الفوضى تبتلع الضعيف قبل القوي. لذلك كان يقدّر في هذا المجتمع قيم المسؤولية واحترام الوقت والعمل المنظم والالتزام. تلك القيم التي لا تصنع إنجازاً عابراً، بل تصنع (عادة دولة).


ومع إعجابه العميق بالثقافة الإنجليزية/البريطانية، لم يكن ذلك الإعجاب عنده انبهاراً بالآخر، بقدر ما هو وعيٌ بالاختلاف واحترامٌ لقيمة التجارب الإنسانية المتنوعة. غير أن أجمل ما في الأمير خالد -كما عرفته- أنه كلما قرأ ثقافةً أخرى عاد إلى الثقافة السعودية أشدّ اعتزازاً بها، لا بوصفها ماضياً يُستدعى، بل بوصفها جذراً حيّاً يمدّ الدولة بالمعنى، ويمنح السياسة ضميرها الاجتماعي.


كان يرى في الإرث السعودي مدرسةً مستقلة، إرثٌ يصنع الإنسان قبل أن يصنع النظام، حيث تتقدّم المروءة على المظهر، والوفاء على الخطابة، والكرم على الحساب، والاحترام على الجدل.


وفي المجلس السعودي -كما يراه- تتجلّى فلسفة الحكم الهادئ.. الإصغاء قبل الرد، وتقدير الكبير، ورعاية خاطر الصغير، وأن يكون للحديث ميزانٌ أخلاقي قبل أن يكون له وزنٌ سياسي.


ومن هنا كان يميّز بين تقاليدٍ تُؤسِّس النظام وتقاليد تُؤسِّس الانتماء، فالتقاليد الإنجليزية تقوم في كثيرٍ من تجلياتها على صرامة المؤسسة، وهدوء السلوك العام، واحترام المسافة، ودقة الوقت، وتقديس الإجراء، كأنها تقول: (استقامة الدولة تبدأ من استقامة القواعد).


أما التقاليد السعودية فتقوم -بعمقها الاجتماعي- على حرارة العلاقة، وصدق الحضور، ومركزية الأسرة، وكرامة الضيف، وروح النخوة، ومقام الدين في تهذيب السلوك، كأنها تقول: (هيبة الدولة تبدأ من هيبة الإنسان).


والتمايز هنا لا يعني تضاداً، بل يكشف أن لكل حضارة طريقها في صناعة الاستقرار، فالإنجليز يُحسنون بناء الاستمرارية المؤسسية حتى تبدو الدولة كساعة لا تتعطل، والسعوديون يُحسنون بناء الاستمرارية القيمية حتى يبدو المجتمع كجسدٍ واحد لا يتفكك. وهنا تتجلى حكمة الأمير خالد، أنه يلتقط من التجربة الإنجليزية انضباطها وصرامتها الهادئة، ثم يُعيد قراءتها بعينٍ سعودية تُضيف إليها الروح والإنسان، دون أن تُفرِّط في النظام.


كان يُعجب بثقافة القانون هناك، لكنه يزداد يقيناً بأن القانون عندنا مكتمل بإسناده ضميرٌ اجتماعي يحرُس العدل من الجفاف، وتُسنده قيمٌ تُحوِّل الواجب من خوفٍ إلى قناعة. ولذلك كان يرى أن أعظم ما تملكه المملكة العربية السعودية ليس الموارد ولا الجغرافيا وحدها.. بل ميراثها الأخلاقي الذي يصنع احترام الناس للدولة، قبل أن تصنع الدولة احترامها للناس.


هكذا كان الأمير خالد في نظري، مسؤولاً يحمل السياسة في يد، والثقافة في يدٍ أخرى، ثم يضيف إليهما يداً ثالثة لا يراها كثيرون.. يد الإرث السعودي، ذلك الإرث الذي يمنح القرار شرفه، ويمنح المنصب إنسانيته.


وفي زمنٍ تُستهلك فيه الكلمات سريعاً، كان يُعيد للكلمة معناها.. أن تكون جسراً بين العقل والهيبة، وبين النظام والإنسان، وبين تجربة الآخر واعتزاز الذات وبين الفكرة والمصير.