•• همس لي ذات مرة وكأنه ورقة لا تسقط، بقوله: «أشعر بفضاء مقمر في داخلي، وتحتلني لذة خالصة».. كلامٌ قاله حين منحه المولى -سبحانه- قوة البدايات فأضاءت له الحياة أسرجتها.. أما عندما ظهر عليه جحود النعمة، ونكران الجميل؛ واجه قسوة نهايات العُمر.. هؤلاء الناكرون للنِعَم مآلهم الإصابة برعشة لا شعورية في أخاديد حياتهم.. ذلك هو مصير من يعبِّر عن السخط بالتأفف.

•• في البدايات؛ تهيأ لأولئك أنهم بخير، وحين غرقوا في مياه صدئة تحرك في داخلهم الوجع.. أما في النهايات؛ فهدد الخوف سكينة هوائهم، فتدحرجت أرواحهم بشهقات ألم ترفضه الهياكل الحديدية.. فأهل العزم تفصََّل العزائم على قدرهم، وأهل النكران يأتيهم يومٌ يكرهون فيه الحياة.. فلا شيء يثبت في الدنيا؛ منا من تمنحه حبوراً يسيل بين يديه، ومنا من تفضحه عيونه من الأنين.

•• أولئك ممن لم يدخلوا عالم «الحمد»؛ غرقوا في السواد، وتدفقت عليهم الحياة بابتلاءات لا تنتهي، فحين جحدوا النعمة بحجم رفة عين؛ لم يصلح الله لهم شؤونهم طرفة عين.. وأولئك المتخلفون بالتدرج عن حياة «الشكر»؛ تغيرت أوضاعهم إلى الرداءة مع مرور السنين، فعندما سرقوا هواء الرخاء ودسوه في علب ذكراهم؛ غادر المجد أحوالهم وذاكرتهم.. رفاهية معتمة عاشوها فحملت لهم طابع الظُلْمَة.

•• لقد انتهى الوقت على هؤلاء، ففي وقت تبلدت قلوبهم من طرق أبواب «الشكر»؛ جاءهم الوقت لطرق البوابات الحديدية المؤصدة.. وفي وقت اجتاحت نفوسهم رغبة لشم رائحة الربيع واستنشاق الهواء؛ جاءهم الوقت الذي يبس ريقهم وهم يستجدون الحياة لإطلاق سراحهم.. وفي وقت ضحكوا فيه على الضحك؛ جاءهم وقت بكوا فيه على البكاء.. أولئك المحنطون تركوا رماداً في حياة أصبحت لهم مضخة.

الجاحد.. بدايات مطمئنة ونهايات مؤسفة:

من لم يدخل عالم «الحمد» يغرق في السواد

ومن يجحد النعمة لن يُصلح الله شأنه طرفة عين

من يتدرج في نكران عالم «الشكر» تسوء أوضاعه

ومن يغرق في السواد تدفق عليه الحياة بالابتلاءات