المدرب الألماني ينز فيسنيغ، الذي تولى مهمة تدريب فريق نادي الاتحاد، وجد حفاوة كبيرة من كافة المحللين والنقاد في البرامج الرياضية، لم يكن يحلم بها؛ إذ نال الإعجاب من خلال كلمات الثناء والإشادة بفكره وعقليته التدريبية، وكان هناك إجماع على أن الاتحاد وجد ضالته في هذا المدرب الذي يستطيع إصلاح كثير مما أفسده المدرب السابق كونسيساو فنياً ونفسياً، بعدما عبث بالحالة النفسية لمعظم لاعبي الاتحاد، محليين وأجانب، إلى درجة كرههم الشديد له.

-حالة الإعجاب هذه، بكل ما تضمّنته من حفاوة وإشادة وثناء، لم تكن مجرد مجاملة أو ردة فعل «عاطفية» تجاه نادٍ كبير عبث فيه مدرب «متغطرس»، ليأتي بعده مدرب «مغمور» استطاع في فترة قصيرة جداً أن يقدّم نفسه بصورة وضعته في قائمة المدربين الكبار، بعدما نجح في إيجاد «تركيبة» مميّزة للنمور، وأعاد إليهم هيبتهم، وأعاد الاتحاد من جديد إلى الواجهة، ومنح جماهير العميد أملاً كبيراً في مدرب شاب قادر على أن يصنع من «الفسيخ شربات»، محلقاً بهذا الفريق بعيداً، ومقدماً إياه منافساً قوياً على بطولة الدوري وبقية البطولات.

-وأكثر ما تميّز به فيسنيغ، وأسهم في تلك اللغة الإعلامية التي أوصلته إلى «السماء»، من شدة الفرح به بعد نجاحه باقتدار في تقديم الموهبة الكروية «جورج»، وإعادة اكتشافه من جديد، بعدما كان «مخفياً» لا وجود له في عهد المدرب السابق سيئ الذكر، والتجانس الذي أوجده فيسنيغ في فترة زمنية قصيرة جداً، وكيف تمكّن من تحويل الاتحاد إلى قوة هجومية ضاربة، حتى بات ثلاثة من لاعبيه ضمن قائمة هدافي الدوري.

-يبدو أن هذا المدح والإطراء الذي حظي به المدرب أخذ اتجاهاً عكسياً وكأنه تحول إلى «نفخ» زائد أضر بعقلية هذا المدرب المبتدئ وشخصيته. فبدلاً من أن يستفيد منه ويجعله عاملاً محفّزاً لاكتساب مزيد من الثقة ومواصلة النجاح مع نادٍ كبير من شأنه أن يرفع اسمه ويعزّز مكانته وشهرته، أصابته حالة من «الغرور» بطريقة غير مقبولة ولا معقولة، وكأنه صدّق نفسه أنه مدرب كبير، ليدخل الاتحاد في نفق «الاختراعات»، ويهدم، للأسف، بصورة لا تُصدق كل ما بناه، ويكسر قلوب جماهير تفاءلت به وأحسنت الظن فيه كثيراً.

-وقد يقول قائل: ما هذا النقد القاسي، وما هذا الهجوم الكاسح تجاه مدرب لم تتوفر لديه الأدوات والظروف الزمنية التي تساعده على استكمال ذلك «الجمال» الذي بدأ به، ومواصلة «التألق» كمدرب حصل على جائزة أفضل مدرب في الشهر، وذلك قبل فترة التوقف؟ وهذا القول يمكن الأخذ به، وبالتالي القبول بصحته، لو أن فيسنيغ حافظ على المكتسبات التي حققها، وفي مقدمتها اللاعب جورج، وعلى منهجية اللعب التي شكّلت نقلة نوعية في الأداء الجماعي للفريق. إلا أنه، وللأسف الشديد، أصبح في معظم المباريات، سواء في الدوري المحلي أو بطولة النخبة، «يخبّص».. وأي تخبيص! من خلال اختيارات خاطئة للتشكيلة، وتغييراته الخاطئة وطريقة لعب تشعرك بأن اللاعبين في وادٍ، و«الكوتش» في وادٍ آخر. وقد ظهر هذا «العك» الفكري في مباريات عديدة، وليس في مباراة واحدة، كان آخرها مباراة أول أمس أمام العين الإماراتي.

-من شاهد الاتحاد في هذه المباراة، وقبل أن تبدأ، كان بإمكانه أن يتوقع خسارته، من خلال اختيارات فيسنيغ لتشكيلته، التي إن دلت على شيء فإنما تدل على أنه مدرب «ما في راسه كورة»، أو أنه يعاني مشكلة ما. فمن غير المعقول أن يصر على «تجميد» خدمات أفضل هدافي الفريق، جورج، ويضعه على دكة الاحتياط، ومن غير المعقول أيضاً أن يرى الجميع أن اللاعب مهند الشنقيطي لم يعد يقدم ما يشفع له بالمشاركة، ومع ذلك يصر على إشراكه، إلى جانب اعتماده طريقة لعب غريبة مهّدت لفريق العين طريق الفوز بسهولة وبرباعية ثقيلة.

همسة أخيرة

-لم أجد تفسيراً لهذا التخبيص سوى أن المدرب أصابه «الإرهاق» الذهني، وأصبح بحاجة إلى أخذ قسط من الراحة. ولعل فترة التوقف المقبلة، التي تدخلها الأندية الأسبوع القادم، تمثل فرصة مناسبة ليعيد فيسنيغ حساباته من جديد، ويعود إلينا ذلك المدرب المبهر والمبدع الذي عرفناه في بداياته. وإلا فإنه قد يجد نفسه، بين يوم وليلة، مثل أي لاعب «موقوف» عن اللعب، بقرار من مجلس الإدارة، يتضمّن تقديم الشكر له وإقالته.