حين تطالعك عناوين الأخبار عن الصراعات التي تتم حول العالم، فإن هناك فئات من القتلى من المفترض أن يهتز ضمير العالم أكثر، كالنساء والأطفال، أو أصحاب الوظائف المدنية المحضه من الفرق الطبية والصحفيين الذي يحاولون نقل الصورة، ولكن العنوان كثيراً ما يخفي شياطين كثر في تفاصيله.


وبالحديث عن الحرب في اليمن، من المهم تسليط الضوء على السجل الأسود للحوثيين في تجنيد الأطفال، حيث تحققت الأمم المتحدة من 1,851 حالة فردية على الأقل لتجنيد الأطفال أو استخدامهم من قِبل الحوثيين منذ 2010، وهذا حد أدنى موثق لا إجمالي من جندهم الحوثيون، وتلقّى فريق الخبراء الأممي قائمة بـ1,406 أطفال جنّدهم الحوثيون وقُتلوا في المعارك عام 2020.


وإذا بحثنا في سبل التجنيد فيجب الإشارة أولاً إلى أن هذا التجنيد بدأ في التسعينات الميلادية مع حركة «الشباب المؤمن» في صعدة، عبر استخدام وسائل حديثة كالأشرطة والفيديو لغسل أدمغة شباب الشمال اليمني وتدريبهم على الصرخة الحوثية. ورغم أن التنظيم لم يتأسس رسمياً إلا في عام 1992، إلا أنه بحلول 1995 كان ما بين 15 و20 ألف طالب قد التحقوا بمخيماته الصيفية.


وحسب خبراء الأمم المتحدة فإن لدى الحوثيين نظاماً للتلقين يشمل استخدام المساعدات الإنسانية للضغط على الأسر، ووثّق تقريره لعام 2023 توزيع سلال غذائية على أسر المجنّدين. كما أفاد ناشط لهيومن رايتس ووتش بأن أنشطة التجنيد في المدارس زادت كثيراً بعد 7 أكتوبر 2023، بما في ذلك عبر الكشافة المدرسية، كما وجد الخبراء أن المليشيا الحوثية علمت أطفالاً في السابعة تنظيف الأسلحة والتهرب من الصواريخ.


وبالبحث عن الأسباب التي تدفع المليشيا يظهر نقص المقاتلين كسبب رئيسي، مع عدم إغفال أن الأطفال أسهل تشكيلاً ويمكن غسل أدمغتهم بما ينتج ولاء أكبر، وهو ولاء مبني على أن الطفل ليس لديه ذهنية تشكلت حزبياً أو قبلياً، مع إضافة الولاء بالإكراه عبر المساعدات التي تقدم لأسرهم وهي في جلها مساعدات غذائية، وهي بالمناسبة مسروقة من المساعدات الأممية، وهذا ما يخلق فائدة أخرى حيث كثير من المقاتلين الأطفال على الجبهة لا يتقاضون أجراً، مما يجعلهم أوفر من المقاتلين الكبار.


وهناك طبقة مهمة للنقاش تدرس ما هو اليمني وما هو المستورد في تجنيد الأطفال، وأشارت عدة دراسات إلى الأسباب المحلية، ومن ضمنها الفقر وتردي الفرص التعليمية، وأيضاً العُرف الذي كان يعتبر الشاب رجلاً في السابعة عشرة من عمره ويحمل السلاح، قبل غلو الحوثيين بخفض هذا العمر إلى عشر سنوات.


الجانب المستجلب من الخارج يظهر في دراسة لمركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت أفادت بأن حسين الحوثي قضى عامًا في الخرطوم (1999–2000) حين كانت السودان أنشط محطة للحرس الثوري على البحر الأحمر، ثم انتقل إلى إيران. وعند عودته أطلق الشعار: «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام». وهذا الشعار هو أول ما يردده الطفل في المخيم الصيفي.


بالطبع بدر الدين وحسين الحوثي كانا معجبين للغاية بنموذج الثورة الإيرانية، لدرجة اعتبرا الخلافات بين الزيدية والإثنى عشرية تفصيلة صغيرة، وبالتالي تم استيراد ثقافة كسر الخوف عبر الاستشهاد في عقول الأطفال مع ترديد الصرخة في طابور الصباح، لتبقى أذهانهم في حالة تحفز دائم للانطلاق لساحات المعركة.


وهذا يقودنا إلى بحث الموضوع من المنبع، ومن الكتب المهمة في ذلك كتاب إيان براون آخر ممثل لمنظمة «أرض الإنسان» السويسرية الذي كان يدرس الطلبة الإيرانيين الأسرى في معسكر الرمادي، وفي كتابه الذي عنونه: «أبناء الخميني المنسيون: قصة الجنود الأطفال في إيران»، إلى تجنيد الأطفال بشكل مخالف لكل المواثيق الدولية، وهو ما يمارسه الباسيج عبر المخيمات الصيفية كما يفعل الحوثي نقلاً عنه.


لكن ما يستحق التوقف حقاً هو أن هؤلاء الفتيان نُسوا مرتين، أولاً حين أرسلهم نظام يمجّد الاستشهاد إلى الموت كالنظام الإيراني، ثم حين تُركوا في المعسكرات العراقية سنوات بعد وقف إطلاق النار عام 1988. يختصر ذلك سؤال أحد الأسرى: في أثناء الحرب لم نفكر في العودة إلى بيوتنا، فلماذا ما زلنا هنا بعد انتهائها؟


ما فعلته إيران آنذاك لا يختلف عن ما تفعله مع حلفائها متى ما انتهت الحاجه لهم، ويتطابق مع ما يفعله الحوثي اليوم عبر نشر صور أطفال كقتلى، وهم يتعالجون في المستشفيات برعاية الشرعية اليمنية.