ثمة سؤال يتكرر كلما ذكرت الحرب في اليمن: هل تخوض السعودية حرباً دينية ضد الحوثيين؟ وهل تستهدف الزيدية، أو الشيعة عموماً، أم أنها تخوض صراعاً لحماية أمنها وحدودها؟


السؤال مشروع، لكن الإجابة تبدأ من التمييز بين المذهب بوصفه هوية دينية، والمليشيا بوصفها مشروعاً سياسياً. الخلط بين الاثنين لا يفسر الحرب، بقدر ما يمنحها تفسيراً مضللاً، ويحوّل خلافاً على السلطة والسيادة والأمن إلى خصومة بين المذاهب.


المؤكد أن السعودية لا تحارب الزيدية، والمؤكد أنها تواجه ما تراه تهديداً لأمنها. ولو كانت المسألة حرباً على الشيعة، لكان التاريخ السعودي حافلاً بما يثبت ذلك. لكن علاقات الدول لا تقرأ بهذه البساطة، ولا تختزل في خرائط المذاهب. المملكة تعاملت مع دول ومجتمعات تختلف عنها دينياً ومذهبياً، كما أن خلافاتها مع أطراف أخرى لم تكن عقائدية. السياسية، في نهاية الأمر، لا تسأل عن مذهب الخصم، وإنما عن موقعه، وما يملكه، وما يفعله، وما يهدّد به. مهما اجتهد أصحاب الشعارات في صبغ السياسة بألوان العقيدة.


والمملكة لم تتدخل عام 2015 لأن الزيدية استعادت حضوراً سياسياً، وإنما في سياق سيطرة الحوثيين على صنعاء، وانهيار سلطة الحكومة المعترف بها دولياً، وتصاعد المخاوف من تحويل اليمن إلى مصدر تهديد مباشر. ومع تطوير أطراف إقليمية لقدرات المليشيا الصاروخية وهجماتها، صار السؤال الأمني أكثر إلحاحاً من أي توصيف مذهبي، وأكثر أهمية ألا نسمح للسؤال بأن يقودنا إلى إجابة مذهبية جاهزة.


قد يختلف المرء مع قرار الحرب، أو مع وسائلها وكلفتها، لكن نقد القرار شيء، وادعاء أن دوافعه دينية شيء آخر يحتاج إلى دليل.


ولنا في الراعي الرسمي لمليشيا الحوثي خير مثال. قدّمت إيران مصالحها مع أرمينيا المسيحية على أذربيجان الشيعية. وهنا تتقدّم الجغرافيا على العقيدة، وتتكلم المصالح بلغة لا تفهمها الشعارات وحدها. ففي العلاقات الدولية، لا تتحرك الدول وفق دفاتر الخصومات الدينية القديمة وحدها؛ إنها تتحرك وفق ما تراه مهدّداً لأمنها ومصالحها. وقد تتعاون مع دولة تختلف معها عقائدياً، وتخاصم دولة تشاركها الدين، حين تتباين الحسابات الاستراتيجية.


فإذا كان ذلك منطق السياسة الإيرانية، فلماذا يطلب منا تفسير السياسة السعودية بمنطق مذهبي صرف؟


إن تصوير الصراع باعتباره حرباً سنّية على الشيعة هو غاية ما ينشده الحوثي. إذ ينقل النقاش من سؤال السلاح والسلطة إلى سؤال الهوية والاضطهاد. وبدلاً من أن تحاسب المليشيا على عدوانها، يصبح الاعتراض عليها وكأنه اعتراض على أتباع المذهب جميعاً. وهذا ظلم للزيدية قبل أن يكون خطأ في السياسة. فالمذهب، في ذاته، ليس حدوداً عسكرية، ولا يمنح جماعة حق الاستيلاء على الدولة، ولا يحوّل الاعتداء على الجوار إلى ممارسة مشروعة.


ولا يعني ذلك أن الدين غائب عن السياسة في المنطقة. لكنه يعني أن اختزال حرب اليمن في مواجهة بين السنّة والشيعة تفسير قاصر، يخلط بين هوية الجماعة وبين خياراتها السياسية والعسكرية. فالمذهب لا يطلق الصواريخ. من يطلقها يتحمّل مسؤولية قراره. والزيدية ليست الحوثيين، كما أن اليمن ليس ملكاً لجماعة، ولا ينبغي أن يكون رهينة لصراع الآخرين.


وغاية ما تريده السعودية من اليمن العودة إلى منطق الدولة؛ جار لا يهدّد حدودها، ولا تتحوّل أراضيه إلى منصة هجمات، ولا يرهن قراره لطرف خارجي قصده ضرر المملكة. هي لا تحتاج إلى يمن تابع لها، بقدر حاجتها إلى يمن مستقر. تحكمه مؤسسات الدولة. كما لا يفيدها أن يبقى بلد مجاور غارقاً في حرب تستنزف شعبه، وأمن المنطقة معه.


في نهاية المطاف، لا يسأل الحوثي عن مذهبه كي يحاكم، ولا تسأل السعودية عن مذهب خصمها كي تفسر سياستها. إن سؤال كل طرف يكون عمّا يريد، وما يفعل، وما يتركه خلفه. فالمملكة لا تحتاج إلى حرب على الزيدية كي تدافع عن حدودها، واليمن لا يحتاج إلى حكم السلاح كي يحفظ هويته.


تلك، في جوهرها، ليست حرباً على مذهب؛ إنها معركة على شكل الدولة اليمنية، وعلى من يملك قرارها، وعلى الأمن الذي لا يمكن أن يستقيم على جانبي الحدود ما دام السلاح يعلو على السياسة.